وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ ذَاتِ الْإِلَهِ وَكُنْهَ هَوِيَّتِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا الْمَعْلُومُ لِلْبَشَرِ صِفَاتُهُ، ثُمَّ إِنَّ صِفَاتِهِ قِسْمَانِ: صِفَاتُ الْجَلَالِ، وَصِفَاتُ الْإِكْرَامِ. أَمَّا صِفَاتُ الْجَلَالِ، فَهِيَ سُلُوبٌ، كَقَوْلِنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا جِسْمٍ، وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا. وَهَذِهِ السُّلُوبُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لِأَنَّ السُّلُوبَ عَدَمٌ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ وَالنَّفْيُ الصِّرْفُ، لَا كَمَالَ فِيهِ، فَقَوْلُنَا لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ إِنَّمَا أَفَادَ الكلام لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْعِلْمِ الْمُحِيطِ الدَّائِمِ الْمُبَرَّأِ عَنِ التَّغَيُّرِ وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ عَدَمُ النَّوْمِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالٍ أَصْلًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ وَالْجَمَادَ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: ١٤] إِنَّمَا أَفَادَ، الْجَلَالَ وَالْكَمَالَ وَالْكِبْرِيَاءَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلا يُطْعَمُ يُفِيدُ كَوْنَهُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ غَنِيًّا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَلْ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَثَبَتَ أَنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْعِزِّ وَالْعُلُوِّ هِيَ الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ، وَأَشْرَفُ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ صِفَتَانِ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى ذَاتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِهِمَا فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ. أَمَّا صِفَةُ الْعِلْمِ فَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْمُرَادُ أَنَّ عِلْمَهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَالْمَوْجُودَاتِ وَالْحَاضِرَاتِ وَالْغَائِبَاتِ، وَتَمَامُ الْبَيَانِ وَالشَّرْحِ فِي دَلَالَةِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى نِهَايَةِ الْكَمَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] وَأَمَّا صِفَةُ الْقُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ:
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَصْدَرُ الْكُلِّ وَمَبْدَأُ الْكُلِّ هُوَ هُوَ وَالَّذِي يَكُونُ مَبْدَأً لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَرْجِعُ كُلِّ الْمُحْدَثَاتِ وَالْكَائِنَاتِ، كَانَ عَظِيمَ الْقُدْرَةِ نَافِذَ الْمَشِيئَةِ قَهَّارًا لِلْعَدَمِ بِالْوُجُودِ وَالتَّحْصِيلِ جَبَّارًا لَهُ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّكْمِيلِ، فَهَذَانِ الْوَصْفَانِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي شَرْحِ جَلَالِ الْمَبْدَأِ وَنَعْتِ كِبْرِيَائِهِ.
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ الْمَرَاتِبِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَوْنُهُ عَالِمًا بِهَا أَنْ يَعْرِفَ مَا هُوَ مُهِمٌّ لَهُ فِي زَمَانِ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالْمَعَارِفِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجَلَايَا الْقُدْسِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ لَهَا بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ. أَمَّا بِدَايَتُهَا فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَاتِ الْجَسَدَانِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْجَسَدَانِيَّةُ، فَأَفْضَلُ الْحَرَكَاتِ الصَّلَاةُ، وَأَكْمَلُ السَّكَنَاتِ الصِّيَامُ، وَأَنْفَعُ الْبِرِّ الصَّدَقَةُ.
وَأَمَّا الْعِبَادَةُ الرُّوحَانِيَّةُ فَهِيَ: الْفِكْرُ، وَالتَّأَمُّلُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِ اللَّه تَعَالَى في ملكوت السموات وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] وَأَمَّا نِهَايَةُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَالِانْتِهَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ إِلَى مُسَبِّبِهَا، وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمُبْدَعَاتِ، وَتَوْجِيهُ حَدَقَةِ الْعَقْلِ إِلَى نُورِ عَالَمِ الْجَلَالِ، وَاسْتِغْرَاقُ الرُّوحِ فِي أَضْوَاءِ عَالَمِ الْكِبْرِيَاءِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ رَأَى كُلَّ مَا سِوَاهُ مُهَرْوِلًا تَائِهًا فِي سَاحَةِ كِبْرِيَائِهِ هَالِكًا فَانِيًا فِي فَنَاءِ سَنَاءِ أَسْمَائِهِ. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ: أَنَّ أَوَّلَ دَرَجَاتِ السَّيْرِ إِلَى اللَّه تَعَالَى هُوَ عُبُودِيَّةُ اللَّه، وَآخِرُهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّه، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ.
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ الْمَرَاتِبِ الْمُهِمَّةِ لِكُلِّ عَامِلٍ مَعْرِفَةُ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ أَنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصِيرُ حَالُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَهَلْ لِأَعْمَالِهِ أَثَرٌ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يُضِيعُ طَاعَاتِ الْمُطِيعِينَ وَلَا يُهْمِلُ أَحْوَالَ الْمُتَمَرِّدِينَ الْجَاحِدِينَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْضَرُوا فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَيُحَاسَبُوا عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَيُعَاتَبُوا فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، ثُمَّ يَحْصُلُ عَاقِبَةُ الْأَمْرِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَافِيَةٌ بِالْإِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ الْمَطَالِبِ الْعُلْوِيَّةِ، والمقاصد
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.