ثم قال: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْجُفَاءُ الرَّمْيُ وَالِاطِّرَاحُ يُقَالُ: جَفَا الْوَادِي غُثَاءَهُ يَجْفُوهُ جَفَاءً إِذَا رَمَاهُ، وَالْجُفَاءُ اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِ مِنْهُ الْمُنْضَمِّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَمَوْضِعُ جُفَاءً نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الزَّبَدَ قَدْ يَعْلُو عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَيَرْبُو وَيَنْتَفِخُ إِلَّا أَنَّهُ بِالْآخِرَةِ يَضْمَحِلُّ وَيَبْقَى الْجَوْهَرُ الصَّافِي مِنَ الْمَاءِ وَمِنَ الْأَجْسَادِ السَّبْعَةِ، فَكَذَلِكَ الشُّبَهَاتُ وَالْخَيَالَاتُ قَدْ تَقْوَى وَتَعْظُمُ إِلَّا أَنَّهَا بِالْآخِرَةِ تَبْطُلُ وَتَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ وَيَبْقَى الْحَقُّ ظَاهِرًا لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهَاتِ، وَفِي قِرَاءَةِ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ جُفَالًا، وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ لَا يُقْرَأُ بِقِرَاءَةِ رُؤْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْفَارَ.
أما قوله تَعَالَى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَلِلَّذِينِ خَبَرُهُ وَتَقْدِيرُهُ لَهُمُ الْخَصْلَةُ الْحُسْنَى وَالْحَالَةُ الْحُسْنَى. الثَّانِي: أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَالتَّقْدِيرُ: كَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي يَبْقَى هُوَ مَثَلُ الْمُسْتَجِيبِ وَالَّذِي يَذْهَبُ جَفَاءً مَثَلُ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ بَيَّنَ الوجه فِي كَوْنِهِ مَثَلًا وَهُوَ أَنَّهُ لِمَنْ يَسْتَجِيبُ الْحُسْنَى وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَلِمَنْ لَا يَسْتَجِيبُ أَنْوَاعُ الْحَسْرَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلَّذِينِ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الِاسْتِجَابَةَ الْحُسْنَى، فَيَكُونُ الْحُسْنَى صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَاهُنَا أَحْوَالَ السُّعَدَاءِ وَأَحْوَالَ الْأَشْقِيَاءِ، أَمَّا أَحْوَالُ السُّعَدَاءِ فَهِيَ قَوْلُهُ: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ أَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالنُّبُوَّةِ وَبَعْثِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فَلَهُمُ الْحُسْنَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجَنَّةُ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْحُسْنَى هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْعُظْمَى فِي الْحُسْنِ، وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ الْخَالِصَةُ عَنْ شَوَائِبِ الْمَضَرَّةِ/ الدَّائِمَةِ الْخَالِيَةِ عَنِ الِانْقِطَاعِ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَهَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يُونُسَ: ٢٦] وَأَمَّا أَحْوَالُ الْأَشْقِيَاءِ، فَهِيَ قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ فَلَهُمْ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ.
فَالنوع الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ وَالِافْتِدَاءُ جَعْلُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الْآخَرِ، وَمَفْعُولُ لَافْتَدَوْا بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَافْتَدَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَيْ جَعَلُوهُ فِدَاءَ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي «بِهِ» عَائِدَةٌ إِلَى «مَا» فِي قَوْلِهِ: مَا فِي الْأَرْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ، لِأَنَّ الْمَحْبُوبَ بِالذَّاتِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ هُوَ ذَاتُهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّمَا يُحِبُّهُ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَصَالِحِ ذَاتِهِ، فَإِذَا كَانَتِ النَّفْسُ فِي الضَّرَرِ وَالْأَلَمِ وَالتَّعَبِ وَكَانَ مَالِكًا لِمَا يُسَاوِي عَالَمَ الْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ فَإِنَّهُ يَرْضَى بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِدَاءً لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الْمَحْبُوبَ بِالْعَرَضِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِدَاءً لِمَا يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذَّاتِ.
وَالنوع الثَّانِي: مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ هُوَ قَوْلُهُ: أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ قَالَ الزَّجَّاجُ:
ذَاكَ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. وَأَقُولُ هَاهُنَا حَالَتَانِ: فَكُلُّ مَا شَغَلَكَ بِاللَّهِ وَعُبُودِيَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ فَهِيَ الْحَالَةُ السَّعِيدَةُ الشَّرِيفَةُ الْعُلْوِيَّةُ الْقُدُسِيَّةُ، وَكُلُّ مَا شَغَلَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ الْحَالَةُ الضَّارَّةُ الْمُؤْذِيَةُ الْخَسِيسَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يَقْبَلَانِ الْأَشَدَّ وَالْأَضْعَفَ وَالْأَقَلَّ وَالْأَزْيَدَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُنَاسِبَةِ لِهَذِهِ الْأَحْوَالِ تُوجِبُ قُوَّتَهَا وَرُسُوخَهَا لِمَا ثَبَتَ فِي الْمَعْقُولَاتِ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ تُوجِبُ حُصُولَ الْمَلَكَاتِ الرَّاسِخَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.