الْقُوَى صَارَ الرُّوحُ الْجَاهِلُ عَالِمًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرَّحْمَنِ: ١] فَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِعْدَادَ النَّفْسِ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَعَارِفِ هُوَ الذِّهْنُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: الْفِكْرُ وَهُوَ انْتِقَالُ الرُّوحِ مِنَ التَّصْدِيقَاتِ الْحَاضِرَةِ إِلَى التَّصْدِيقَاتِ الْمُسْتَحْضَرَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّ الْفِكْرَ يَجْرِي مَجْرَى التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِنْزَالِ الْعُلُومِ مِنْ عِنْدِهِ. السَّادِسَ عَشَرَ: الْحَدْسُ وَلَا/ شَكَ أَنَّ الْفِكْرَ لَا يَتِمُّ عَمَلُهُ إِلَّا بِوِجْدَانِ شَيْءٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْمَجْهُولِ لِتَصِيرَ النِّسْبَةُ الْمَجْهُولَةُ مَعْلُومَةً فَإِنَّ النَّفْسَ حَالَ كَوْنِهَا جَاهِلَةً كَأَنَّهَا وَاقِفَةٌ فِي ظُلْمَةٍ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهَا وَسَائِقٍ يَسُوقُهَا وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَلَهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ فَيَتَوَلَّدُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَتَانِ فَكُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَتَيْنِ مَعْلُومَتَيْنِ وَالْمُقَدِّمَتَانِ هُمَا كَالشَّاهِدَيْنِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّرْعِ مِنْ شَاهِدَيْنِ فَكَذَا لَا بُدَّ فِي الْعَقْلِ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَهُمَا الْمُقَدِّمَتَانِ اللَّتَانِ تُنْتِجَانِ الْمَطْلُوبَ فَاسْتِعْدَادُ النَّفْسِ لِوِجْدَانِ ذَلِكَ الْمُتَوَسِّطِ هُوَ الْحَدْسُ. السَّابِعَ عَشَرَ: الذَّكَاءُ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَدْسِ وَكَمَالُهُ وَبُلُوغُهُ الْغَايَةَ الْقُصْوَى وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّكَاءَ هُوَ الْمُضَاءُ فِي الْأَمْرِ وَسُرْعَةُ الْقَطْعِ بِالْحَقِّ وَأَصْلُهُ مِنْ ذَكَتِ النَّارُ وَذَكَتِ الرِّيحُ وَشَاةٌ مُذَكَّاةٌ أَيْ مُدْرَكٌ قبحها بِحِدَّةِ السِّكِّينِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: الْفِطْنَةُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّنَبُّهِ لِشَيْءٍ قُصِدَ تَعْرِيضُهُ وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحَاجِي وَالرُّمُوزِ. التَّاسِعَ عَشَرَ: الْخَاطِرُ وَهُوَ حَرَكَةُ النَّفْسِ نَحْوَ تَحْصِيلِ الدَّلِيلِ وَفِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ هُوَ الْخَاطِرُ بِالْبَالِ وَالْحَاضِرُ فِي النَّفْسِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: هَذَا خَطَرَ بِبَالِي إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ لَمَّا كَانَتْ مَحَلًّا لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْخَاطِرِ جُعِلَتْ خَاطِرًا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ. الْعِشْرُونَ:
الْوَهْمُ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْمَرْجُوحُ وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لِأَشْخَاصٍ جُزْئِيَّةٍ جُسْمَانِيَّةٍ كَحُكْمِ السَّخْلَةِ بِصَدَاقَةِ الْأُمِّ وَعَدَاوَةِ الْمُؤْذِي. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الظَّنُّ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ وَلَمَّا كَانَ قَبُولُ الِاعْتِقَادِ لِلْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ غَيْرَ مَضْبُوطٍ فَكَذَا مَرَاتِبُ الظَّنِّ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ فَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُعْتَقَدِ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْآخَرِ مَعَ تَجْوِيزِ الطَّرَفِ الْآخَرِ ثُمَّ إِنَّ الظَّنَّ الْمُتَنَاهِيَ فِي الْقُوَّةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعِلْمِ فَلَا جَرَمَ قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعِلْمِ اسْمُ الظَّنِّ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] قَالُوا: إِنَّمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الظَّنِّ على العلم هاهنا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِهِ فِي الْآخِرَةِ كَالظَّنِّ فِي جَنْبِ الْعِلْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ فِي الدُّنْيَا لَا يَكَادُ يَحْصُلُ إِلَّا لِلنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [الْحُجُرَاتِ: ١٥] وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّنَّ إِنْ كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ قُبِلَ وَمُدِحَ وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ أَحْوَالِ هَذَا الْعِلْمِ.
وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ ضَعِيفَةٍ ذُمَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النَّجْمِ: ٢٨] وَقَوْلِهِ: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الْحُجُرَاتِ: ١٢] الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْخَيَالُ. وَهُوَ عِبَارَةٌ مِنَ الصُّورَةِ الْبَاقِيَةِ عَنِ الْمَحْسُوسِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ. وَمِنْهُ الطَّيْفُ الْوَارِدُ مِنْ صُورَةِ الْمَحْبُوبِ خَيَالًا وَالْخَيَالُ قَدْ يُقَالُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ فِي الْمَنَامِ وَفِي الْيَقَظَةِ، وَالطَّيْفُ لَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا كَانَ فِي حَالِ النَّوْمِ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْبَدِيهَةُ وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ ابْتِدَاءً فِي النَّفْسِ لَا بِسَبَبِ الْفِكْرِ كَعِلْمِكَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَوَّلِيَّاتُ وَهِيَ الْبَدِيهِيَّاتُ بِعَيْنِهَا وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ الذِّهْنَ يُلْحِقُ مَحْمُولَ الْقَضِيَّةِ بِمَوْضُوعِهَا أَوَّلًا لَا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ آخَرَ فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ آخَرَ. فَذَاكَ الْمُتَوَسِّطُ هُوَ الْمَحْمُولُ أَوَّلًا/ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الرَّوِيَّةُ، وَهِيَ مَا كَانَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ فِكْرٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ مِنْ رَوَى، السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْكِيَاسَةُ. وَهِيَ تَمَكُّنُ النَّفْسِ مِنِ اسْتِنْبَاطِ مَا هُوَ أَنْفَعُ. وَلِهَذَا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» .
مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا خَيْرَ يَصِلُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ أَفْضَلُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.