وَهُوَ الطَّيْرُ يُسَبِّحُونَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِعْطَاءَ الْجِرْمِ الثَّقِيلِ الْقُوَّةَ الَّتِي بِهَا يَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ صَافَّةً بَاسِطَةً أَجْنِحَتَهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَةِ الصَّانِعِ الْمُدَبِّرِ سُبْحَانَهُ وَجَعْلِ طَيَرَانِهَا سُجُودًا مِنْهَا لَهُ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا النُّطْقُ اللِّسَانِيُّ.
أَمَّا قَوْلُهُ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّه صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قَالُوا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وَهُوَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالثَّانِي: أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ عَلَى لَفْظِ كُلٌّ أَيْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ رَاجِعَةً عَلَى ذِكْرِ اللَّه يَعْنِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسَبِّحٍ وَكُلُّ مُصَلٍّ صَلَاةَ اللَّه الَّتِي كَلَّفَهُ إِيَّاهَا وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ اسْتِئْنَافٌ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ لِي: أَتَدْرِي مَا تَقُولُ هَذِهِ الْعَصَافِيرُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِهَا؟ قَالَ لَا، قَالَ فَإِنَّهُنَّ يُقَدِّسْنَ رَبَّهُنَّ وَيَسْأَلْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ.
وَاسْتَبْعَدَ الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ فَقَالُوا الطَّيْرُ لَوْ كَانَتْ عَارِفَةً باللَّه تَعَالَى لَكَانَتْ كَالْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ كَلَامَنَا وَإِشَارَتَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا أَشَدُّ نُقْصَانًا مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي/ لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأُمُورَ فَبِأَنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ فِيهَا أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ اللَّه تَعَالَى اسْتَحَالَ كَوْنُهَا مُسَبِّحَةً لَهُ بِالنُّطْقِ، فَثَبَتَ أَنَّهَا لَا تُسَبِّحُ اللَّه إِلَّا بِلِسَانِ الْحَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّا نُشَاهِدُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَلْهَمَ الطُّيُورُ وَسَائِرَ الْحَشَرَاتِ أَعْمَالًا لَطِيفَةً يَعْجَزُ عَنْهَا أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْهِمَهَا مَعْرِفَتَهُ وَدُعَاءَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وَبَيَانُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَلْهَمَهَا الْأَعْمَالَ اللَّطِيفَةَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: احْتِيَالُهَا فِي كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيَادِ فَتَأَمَّلْ فِي الْعَنْكَبُوتِ كَيْفَ يَأْتِي بِالْحِيَلِ اللَّطِيفَةِ فِي اصْطِيَادِ الذُّبَابِ، وَيُقَالُ إِنَّ الدُّبَّ يَسْتَلْقِي فِي مَمَرِّ الثَّوْرِ فَإِذَا أَرَامَ نَطْحَهُ شَبَّثَ ذِرَاعَيْهِ بقرينه وَلَا يَزَالُ يَنْهَشُ مَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يُثْخِنَهُ، وَأَنَّهُ يَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَأْخُذُ الْعَصَا وَيَضْرِبُ الْإِنْسَانَ حَتَّى يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَاتَ فَيَتْرُكُهُ وَرُبَّمَا عاود يتشممه ويتجسس نَفَسَهُ وَيَصْعَدُ الشَّجَرَ أَخَفَّ صُعُودٍ وَيُهَشِّمُ الْجَوْزَ بَيْنَ كَفَّيْهِ تَعْرِيضًا بِالْوَاحِدَةِ وَصَدْمَةً بِالْأُخْرَى ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَذَرُ قِشْرَهُ وَيَسْتَفُّ لُبَّهُ، وَيُحْكَى عَنِ الْفَأْرِ فِي سَرِقَتِهِ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ. وَثَانِيهَا: أمر النحل ومالها مِنَ الرِّيَاسَةِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ الْمُسَدَّسَةِ الَّتِي لَا بتمكن مِنْ بِنَائِهَا أَفَاضِلُ الْمُهَنْدِسِينَ وَثَالِثُهَا: انْتِقَالُ الْكَرَاكِيِّ مِنْ طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْعَالَمِ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ طَلَبًا لِمَا يُوَافِقُهَا مِنَ الْأَهْوِيَةِ، وَيُقَالُ إِنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْخَيْلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَعْرِفُ صَوْتَ الْفَرَسِ الَّذِي قَابَلَهُ وَقْتًا مَا وَالْكِلَابُ تَتَصَايَحُ بِالْعَيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ لَهَا، وَالْفَهْدُ إِذَا سُقِيَ أَوْ شَرِبَ مِنَ الدَّوَاءِ الْمَعْرُوفِ بِخَانِقِ الْفَهْدِ عَمَدَ إِلَى زِبْلِ الْإِنْسَانِ فَأَكَلَهُ، وَالتَّمَاسِيحُ تَفْتَحُ أَفْوَاهَهَا لِطَائِرٍ يَقَعُ عَلَيْهَا كَالْعَقْعَقِ وَيُنَظِّفُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهَا، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ الطَّيْرِ كَالشَّوْكِ فَإِذَا هَمَّ التِّمْسَاحُ بِالْتِقَامِ ذَلِكَ الطَّيْرَ تَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ الشَّوْكِ فَيَفْتَحُ فَاهُ فَيَخْرُجُ الطَّائِرُ، وَالسُّلَحْفَاةُ تَتَنَاوَلُ بَعْدَ أَكْلِ الْحَيَّةِ صَعْتَرًا جَبَلِيًّا ثُمَّ تَعُودُ وَقَدْ عُوفِيَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَحَكَى بَعْضُ الثِّقَاتِ الْمُجَرِّبِينَ لِلصَّيْدِ أَنَّهُ شَاهَدَ الْحُبَارَى تُقَاتِلُ الْأَفْعَى وَتَنْهَزِمُ عَنْهُ إِلَى بَقْلَةٍ تَتَنَاوَلُ مِنْهَا ثُمَّ تَعُودُ وَلَا يَزَالُ ذَلِكَ دَأْبُهُ فَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ قَاعِدًا فِي كُنٍّ غَائِرٍ فِعْلَ الْقَنَصَةِ وَكَانَتِ الْبَقْلَةُ قَرِيبَةً مِنْ مَكْمَنِهِ فَلَمَّا اشْتَغَلَ الْحُبَارَى بِالْأَفْعَى قَلَعَ الْبَقْلَةَ فَعَادَتِ الْحُبَارَى إِلَى مَنْبَتِهَا فَفَقَدَتْهُ وَأَخَذَتْ تَدُورُ حَوْلَ مَنْبَتِهَا دَوَرَانًا مُتَتَابِعًا حَتَّى خَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمَ الشَّيْخُ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَالَجُ بِأَكْلِهَا مِنَ اللَّسْعَةِ، وَتِلْكَ الْبَقْلَةُ كَانَتْ هِيَ الْجِرْجِيرُ الْبَرِّيُّ، وَأَمَّا ابْنُ عِرْسٍ فَيَسْتَظْهِرُ فِي قِتَالِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.