لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُلْكِ نَفْسِهِ وَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مُلْكِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِالْحَقِّ لَا بِالْبَاطِلِ، قَالُوا وَالَّذِي يُقَرِّرُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقًا لِكُلِّ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، لِأَنَّ أَعْمَالَ العباد من جملة ما بين السموات وَالْأَرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهَا مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَوُقُوعُ التَّعَارُضِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ مُحَالٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ قَالُوا أَفْعَالُ الْعِبَادِ أَعْرَاضٌ، وَالْأَعْرَاضُ لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَنَقُولُ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سَقَطَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُوجَدِ الْقِيَامَةُ لَتَعَطَّلَ اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَلَتَعَطَّلَ تَوْفِيَةُ الثَّوَابِ عَلَى الْمُطِيعِينَ وَتَوْفِيَةُ الْعِقَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَذَلِكَ يمنع من القول بأنه تعالى خلق السموات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَا «١» بِالْحَقِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَجَلٍ مُسَمًّى فَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَا خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِلَّا لِأَجَلٍ مُسَمًّى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ مَا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ لِيَبْقَى مُخَلَّدًا سَرْمَدًا، بَلْ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِيَكُونَ دَارًا لِلْعَمَلِ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُفْنِيهِ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَيَقَعُ الْجَزَاءُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَعَلَى هَذَا الْأَجَلِ الْمُسَمَّى هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِإِفْنَاءِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعَ نَصْبِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الدَّلَائِلَ وَمَعَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَمَعَ مُوَاظَبَةِ الرُّسُلِ عَلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، بَقِيَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مُعْرِضِينَ عَنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إِلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الدليل مذموم في الدين والدنيا.
[في قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ] وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَرَّرَ هَذَا الْأَصْلَ الدَّالَّ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِلَهِ، وَعَلَى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ عَادِلًا رَحِيمًا، وَعَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ بَنَى عَلَيْهِ التَّفَارِيعَ.
فَالْفَرْعُ الْأَوَّلُ: الرَّدُّ عَلَى عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ فَقَالَ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهِيَ الْأَصْنَامُ أَرُونِي أَيْ أَخْبِرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ وَالْمُرَادُ أَنَّ/ هَذِهِ الْأَصْنَامَ، هَلْ يُعْقَلُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا خَلْقُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ؟ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا أَعَانَتْ إِلَهَ الْعَالَمِ فِي خَلْقِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ، وَلَمَّا كَانَ صَرِيحُ الْعَقْلِ حَاكِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِسْنَادُ خَلْقِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَقَلَّ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا إِسْنَادُ الْإِعَانَةِ إِلَيْهَا فِي أَقَلِّ الْأَفْعَالِ وَأَذَلِّهَا، فَحِينَئِذٍ صَحَّ أَنَّ الْخَالِقَ الْحَقِيقِيَّ لِهَذَا الْعَالَمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ الْمُنْعِمَ الْحَقِيقِيَّ بِجَمِيعِ أَقْسَامِ النِّعَمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَالْعِبَادَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِأَكْمَلِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ صَدَرَ عَنْهُ أَكْمَلُ وُجُوهِ الْإِنْعَامِ، فَلَمَّا كَانَ الْخَالِقُ الْحَقُّ وَالْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِتْيَانُ بِالْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ إِلَّا لَهُ وَلِأَجْلِهِ، بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إِنَّا لَا نَعْبُدُهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ، بَلْ إِنَّمَا نَعْبُدُهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْإِلَهَ الْخَالِقَ الْمُنْعِمَ أَمَرَنَا بِعِبَادَتِهَا، فَعِنْدَ هَذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَجْرِي مَجْرَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وَتَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ وُرُودَ هَذَا الْأَمْرِ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، فَنَقُولُ هَذَا الوحي الدال
(١) في الأصل «إلا بالحق» وهو خطأ والصواب حذف الألف وجعل إلا الاستثنائية، لا النافية، وهو الممنوع.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.