وَهُوَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِشْعَارِ الَّذِي هُوَ الْإِعْلَامُ وَمِنْهُ قَوْلُكَ: شَعَرْتُ بِكَذَا، أَيْ عَلِمْتُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الشَّعَائِرُ إِمَّا أَنْ نَحْمِلَهَا عَلَى الْعِبَادَاتِ أَوْ عَلَى النُّسُكِ، أَوْ نَحْمِلَهَا عَلَى مَوَاضِعِ الْعِبَادَاتِ وَالنُّسُكِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ حَصَلَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، لِأَنَّ نَفْسَ الْجَبَلَيْنِ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُمَا بِأَنَّهُمَا دِينٌ وَنُسُكٌ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا وَالسَّعْيَ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي اسْتَقَامَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ، لِأَنَّ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا مَوْضِعَيْنِ لِلْعِبَادَاتِ وَالْمَنَاسِكِ وَكَيْفَ كَانَ فَالسَّعْيُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنْ أَعْلَامِ دِينِهِ، وَقَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ الْمَنَاسِكِ الَّذِي حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة: ١٢٨] وَاعْلَمْ أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ عِبَادَةً تَامَّةً فِي نَفْسِهِ بَلْ إِنَّمَا يَصِيرُ عِبَادَةً إِذَا صَارَ بَعْضًا مِنْ أَبْعَاضِ الْحَجِّ، فَلِهَذَا السِّرِّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ يَصِيرُ السَّعْيُ عِبَادَةً فَقَالَ: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْحِكْمَةُ فِي شَرْعِ هَذَا السَّعْيِ الْحِكَايَةُ الْمَشْهُورَةُ وَهِيَ أَنَّ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ حِينَ ضَاقَ بِهَا الْأَمْرُ فِي عَطَشِهَا وَعَطَشِ ابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَغَاثَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْبَعَهُ لَهَا وَلِابْنِهَا مِنْ زَمْزَمَ حَتَّى يَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُخَلِّي أَوْلِيَاءَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمِحَنِ إِلَّا أَنَّ فَرَجَهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَاهُ فَإِنَّهُ غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ، فَانْظُرْ إِلَى حَالِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ كَيْفَ أَغَاثَهُمَا وَأَجَابَ دُعَاءَهُمَا، ثُمَّ جَعَلَ أَفْعَالَهُمَا طَاعَةً لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَآثَارَهُمَا قُدْوَةً لِلْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ إِلَّا أَنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ نَالَ السَّعَادَةَ فِي الدَّارَيْنِ وَفَازَ بِالْمَقْصِدِ الْأَقْصَى فِي الْمَنْزِلَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي لَفْظِ الْحَجِّ أَقْوَالًا. الْأَوَّلُ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ كَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ إِلَى شَيْءٍ وَالتَّرَدُّدِ إِلَيْهِ، فَمَنْ زَارَ الْبَيْتَ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ أَوَّلًا لِيَعْرِفَهُ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِلطَّوَافِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مِنًى ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ الصَّدْرِ. الثَّانِي: قَالَ قُطْرُبٌ: الْحَجُّ الْحَلْقُ يُقَالُ: احْجُجْ شَجَّتَكَ، وَذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ الشَّعْرَ مِنْ نَوَاحِي الشجة ليدخل المحجاج فِي الشَّجَّةِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: حَجَّ فُلَانٌ أَيْ خلق، قَالَ الْقَفَّالُ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الْفَتْحِ: ٢٧] أَيْ حُجَّاجًا وَعُمَّارًا، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْحَلَقِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ لِمَعْنَى الْحَلْقِ. الثَّالِثُ: قَالَ قَوْمٌ الْحَجُّ الْقَصْدُ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَحْجُوجٌ، وَمَكَانٌ/ مَحْجُوجٌ إِذَا كَانَ مَقْصُودًا، وَمِنْ ذَلِكَ مَحَجَّةُ الطَّرِيقِ، فَكَانَ الْبَيْتُ لَمَّا كَانَ مَقْصُودًا بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعِبَادَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ الْفِعْلُ حَجًّا، قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ رَجُلٌ مَحْجُوجٌ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ يُخْتَلَفُ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ مَحَجَّةُ الطَّرِيقِ هُوَ الَّذِي كَثُرَ السَّيْرُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِمَارُ هُوَ الْقَصْدُ وَالزِّيَارَةُ، قَالَ الْأَعْشَى:
وَجَاشَتِ النَّفْسُ لَمَّا جَاءَ جَمْعُهُمُ ... وَرَاكِبٌ جَاءَ مِنْ تَثْلِيثِ مُعْتَمِرِ
وَقَالَ قُطْرُبٌ: الْعُمْرَةُ فِي كَلَامِ عَبْدِ الْقَيْسِ: الْمَسْجِدُ، وَالْبَيْعَةُ، وَالْكَنِيسَةُ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَا شُبْهَةَ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.