قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ بِسَبَبِ الْحَسَدِ وَالْبَغْيِ، وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَالْآيَةُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ، لأن الناس هم آدَمُ وَأَوْلَادُهُ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِسَبَبِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنِ ابْنَيْ آدَمَ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ [الْمَائِدَةِ: ٢٧] فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَتْلُ وَالْكُفْرُ بِاللَّهِ إِلَّا بِسَبَبِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآيَةُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَمَّا غَرَقَتِ الْأَرْضُ بِالطُّوفَانِ لَمْ يَبْقِ إِلَّا أَهْلُ السَّفِينَةِ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ وَالدِّينِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مِمَّا عُرِفَ ثُبُوتُهَا بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْحَقِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتِ أَلْبَتَّةَ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلَائِلِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُطْبِقِينَ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْكُفْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وَأَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلَائِلِ.
وَخَامِسُهَا: وَهُوَ أَنَّ الدِّينَ الْحَقَّ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالنَّظَرُ لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بِهَا إِلَى النَّتَائِجِ، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ إِنْ كَانَتْ نَظَرِيَّةً افْتَقَرَتْ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ أُخَرَ وَلَزِمَ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ وَهُمَا بَاطِلَانِ فَوَجَبَ انْتِهَاءُ النَّظَرِيَّاتِ بِالْآخِرَةِ إِلَى الضَّرُورِيَّاتِ، وَكَمَا أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ انْتِهَاؤُهَا إِلَى الضَّرُورِيَّاتِ فَتَرْتِيبُ الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ انْتِهَاؤُهُ أَيْضًا إِلَى تَرْتِيبٍ تُعْلَمُ صِحَّتُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَإِلَى تَرْتِيبَاتٍ تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعَقْلَ السَّلِيمَ لَا يَغْلَطُ لَوْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ سَبَبٌ مِنْ خَارِجٍ، فَأَمَّا إِذَا عَرَضَ لَهُ سَبَبٌ خَارِجِيٌّ، فَهُنَاكَ يَحْصُلُ الْغَلَطُ فَثَبَتَ أَنَّ مَا بِالذَّاتِ هُوَ الصَّوَابُ وَمَا بِالْعَرَضِ هُوَ الْخَطَأُ، وَمَا بِالذَّاتِ أَقْدَمُ مِمَّا بِالْعَرَضِ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَبِحَسَبِ الزَّمَانِ أَيْضًا، هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الدِّينِ الْحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ وَهِيَ الْبَغْيُّ وَالْحَسَدُ، فَهَذَا دَلِيلٌ مَعْقُولٌ وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُطَابِقٌ لَهُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] .
قُلْنَا: الْمَعْنَى وَلِأَجْلِ أَنْ يَرْحَمَهُمْ خَلَقَهُمْ.
وَسَادِسُهَا:
قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ»
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ لَوْ تُرِكَ مَعَ فِطْرَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَمَا كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْدِمُ عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، وَهِيَ سَعْيُ الْأَبَوَيْنِ فِي ذَلِكَ وَحُصُولُ الْأَغْرَاضِ/ الْفَاسِدَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَسَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] فَذَلِكَ الْيَوْمَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الدِّينِ الْحَقٍّ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، إِلَّا أَنَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَبْحَاثًا كَثِيرَةً، وَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي نُصْرَةِ هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ تِلْكَ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا القول.
أما القول الثَّانِي: هُوَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الدِّينِ الْبَاطِلِ، فَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَهُوَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ عربهم وعجمهم فبعثهم إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.