وشهرَه، ونكَّل به، وتركَه في الشمس مُلْقًى في حرِّ مكة، وصبَّ عليه الزيت، وعذَّبه والنساء يبكين عليه، فقال:
سينصرُني الخليفةُ بعدَ رَبِّي … ويغضبُ حين يُخبَرُ عن مَسَاقي
عليَّ عَبَاءةٌ برقاءُ (١) ليسَتْ … مع البلوى تُغَيِّبُ نصفَ ساقي
وتغضبُ لي بأجمعها قُصَيٌّ … قَطِينُ البيتِ والدُّمْثِ الدِّقاقِ (٢)
فكم من كاعبٍ حوراءَ بِكْرٍ … أَلُوفِ السِّتْرِ واضحةِ التَّراقي
بكَتْ جَزَعًا وقد سُمِرت كُبُولي … وجامعةٌ يُشَدُّ بها وَثاقي (٣)
فلما لم يُغَث قال:
أضاعُوني وأيَّ فتًى أضاعُوا … ليومِ كريهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ
وخَلَّوْني بمعترك (٤) المنايا … وقد شُرعت أسِنَّتُها لنحري
كأنِّي لم أكن فيهم وسيطًا … ولم تكُ نسبتي في آلِ عَمْرِو (٥)
ويقال: إن هذا الشعر لمحمد بن القاسم الثقفي، وإنَّما تمثَّل به العَرْجيّ.
وقال إسحاق المولى: غَنَّيتُ الرشيدَ يومًا: أضاعوني، الأبيات، فقال: هذا لمن؟ قلت: للعَرْجيّ. وأخبرتُه خبرَه وما جرى عليه، فتغيَّر وجهُه، وغضب، وقال: وما جرى على مَنْ فعل به ذلك؟ قلت: إن الوليد بن يزيد قتلَ محمدًا وأخاه إبراهيم. فأسفرَ وجهُه وقال: واللهِ لولا ما (٦) أخبرتني بأن الوليد قتلهما لما تركتُ أحدًا من بني مخزوم إلا قتلتُه.
وقال الزُّبير بن بكَّار: كان أبو السائب المخزوميُّ ظريفًا، سمع منشدًا يُنشد بمكةَ قولَ العَرْجيّ:
(١) في "الأغاني" ١/ ٤١١ و ٤١٢: بلقاء.
(٢) الدُّمْث: جمع دمثاء، وهي الأرض السهلة اللينة.
(٣) في "الأغاني" ١/ ٤١١: خِناقي. والأبيات الثلاثة الأولى في "تاريخ دمشق" ٣٧/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) في المصدر السابق ١/ ٤١٣: وصبر عند معترك.
(٥) المصدر السابق، وتاريخ دمشق ٣٧/ ١٣٥. وينظر "نسب قريش" ص ١١٨.
(٦) في (ب) و (خ): لا، بدل: لولا ما. والمثبت من "الأغاني" ١/ ٤١٦، والخبر فيه بنحوه.