قال ابن إسحق: فَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ (يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ) وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَإِنَّ الأَزْلامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- وَصَوَّبَهُ ابْنُ هِشَامٍ: كِلْدَة- أَلَا بَطُلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ أَخُوهُ لأُمِّهِ وَكَانَ بَعْدُ مُشْرِكًا: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يربني رجل مِنْ هَوَازِنَ.
وَرُوِّينا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّهِ وَغَيْرِهَا قَالُوا: كَانَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ رَجُلا صَالِحًا لَهُ فَضْلٌ وَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ إِسْلامِهِ وَمَا أَرَادَ اللَّهُ به من الخير ويقول: ما رأيت أجب مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنْ لُزُومِ مَا مَضَى عليه آباء، نا مِنَ الضَّلالاتِ. ثُمَّ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَنْوَةً، قُلْتُ: أَسِيرُ مَعَ قُرَيْشٍ إِلَى هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، فَعَسَى إِنِ اخْتَلَطُوا أَنْ أُصِيبَ مِنْ مُحَمَّدٍ غُرَّةً فَأَثْأَرَ مِنْهُ، فَأَكُونَ أَنَا الَّذِي قُمْتُ بِثَأْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَأَقُولَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَحَدٌ إِلَّا اتَّبَعَ مُحَمَّدًا مَا تَبِعْتُهُ أَبَدًا، وَكُنْتُ مُرصدًا لِمَا خَرَجْتُ لَهُ، لا يَزْدَادُ الأَمْرُ فِي نَفْسِي إِلَّا قُوَّةً،
فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ، اقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ، وَأَصْلَتَ السَّيْفَ، فَدَنَوْتُ أُرِيدُ مَا أُرِيدُ مِنْهُ، وَرَفَعْتُ سَيْفِي حَتَّى كِدْتُ أُسَوِّرُهُ، فَرُفِعَ لِي شَوَاظٌ مِنْ نَارٍ كَالْبَرْقِ كَادَ يَمْحَشَنِي [١] ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَصَرِي خَوْفًا عَلَيْهِ، وَالْتَفَتُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَانِي: «يَا شَيْبُ ادْنُ» فَدَنَوْتُ، فَمَسَحَ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ» قَالَ: فَوَاللَّهِ لَهُوَ كَانَ سَاعَتَئِذٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَنَفْسِي، وَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كان فيّ، ثم قال: «أدن فقاتل» فَتَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي، اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ أَقِيَهُ بِنَفْسِي كُلَّ شَيْءٍ، وَلَوْ لَقِيتُ تِلْكَ السَّاعَةَ أَبِي لَوْ كَانَ حَيًّا لأَوْقَعْتُ بِهِ السَّيْفَ، فَجَعَلْتُ أَلْزَمُهُ فِيمَنْ لَزِمَهُ، حَتَّى تَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَرُّوا كَرَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَقَرُبَتْ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا، فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى تَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَرَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرِي حُبًّا لِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ وَسُرُورًا بِهِ فَقَالَ: «يَا شَيْبُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ بِنَفْسِكَ» ثُمَّ حَدَّثَنِي بِكُلِّ مَا أضمرت في نفسي مما
[ (١) ] أي يحرقني.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.