قَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحَجّةِ تَمَامَ سَنَةَ سِتّ [ (١) ] ، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ ذِي الْحَجّةِ وَالْمُحَرّمِ، وَخَرَجَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ- وَيُقَالُ خَرَجَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ- إلَى خَيْبَرَ.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِالتّهَيّؤِ لِلْغَزْوِ فَهُمْ مُجِدّونَ، وَتَجَلّبَ مَنْ حَوْلَهُ يَغْزُونَ مَعَهُ، وَجَاءَهُ الْمُخَلّفُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ رَجَاءَ الْغَنِيمَةِ، فَقَالُوا: نَخْرُجُ مَعَك! وَقَدْ كَانُوا تَخَلّفُوا عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَرْجَفُوا بِالنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: نَخْرُجُ مَعَك إلَى خَيْبَرَ، إنّهَا رِيفُ الْحِجَازِ طَعَامًا وَوَدَكًا [ (٢) ] وَأَمْوَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَخْرُجُوا مَعِي إلّا رَاغِبِينَ فِي الْجِهَادِ، فَأَمّا الْغَنِيمَةُ فَلَا. وَبَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى: لَا يَخْرُجَنّ مَعَنَا إلّا رَاغِبٌ فِي الْجِهَادِ، فَأَمّا الْغَنِيمَةُ فَلَا!
فَلَمّا تَجَهّزَ النّاسُ إلَى خَيْبَرَ شَقّ ذَلِكَ عَلَى يهود المدينة الذين هُمْ مُوَادِعُونَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَرَفُوا أَنّهُمْ إذَا دَخَلُوا خَيْبَرَ أَهَلَكَ اللهُ خَيْبَرَ كَمَا أَهَلَكَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَالنّضِيرَ وَقُرَيْظَةَ. قَالَ: فَلَمّا تَجَهّزْنَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ من يهود المدينة له عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَقّ إلّا لَزِمَهُ، وَكَانَ لِأَبِي الشّحْمِ الْيَهُودِيّ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فِي شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ، فَلَزِمَهُ، فَقَالَ: أَجّلْنِي فَإِنّي أَرْجُو أَنْ أَقْدَمَ عَلَيْك فَأَقْضِيَك حَقّك إنْ شَاءَ اللهُ، إنّ اللهَ عَزّ وَجَلّ قَدْ وَعَدَ نَبِيّهُ خَيْبَرَ أَنْ يَغْنَمَهُ إيّاهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ مِمّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا الشّحْمِ، إنّا نَخْرُجُ إلَى رِيفِ الْحِجَازِ فِي الطّعَامِ وَالْأَمْوَالِ. فَقَالَ أَبُو الشّحْمِ حَسَدًا وَبَغْيًا: تَحْسِبُ أَنّ قِتَالَ خَيْبَرَ مِثْلُ مَا تَلْقَوْنَهُ مِنْ الْأَعْرَابِ؟ فِيهَا والتوراة عشرة آلاف مقاتل!
[ (١) ] فى الأصل: «تما سنة ست سنين» .[ (٢) ] الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. (النهاية، ج ٤، ص ٢٠٢) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.