وَالسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَرُوِيَ بِضَمِّهَا فَقِيلَ إِلَّا أَنَّ الْمَفْتُوحَةَ غَلَبَتْ فِي أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا مَا يُرَادُ ذَمُّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَّا الْمَضْمُومَةُ فَجَارٍ مَجْرَى الشَّرِّ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْخَيْرِ وَقَدْ قُرِئَ قِرَاءَةً مُتَوَاتِرَةً بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ بِإِضَافَةِ أَمْرٍ إِلَى سَوْءٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ، وَجَوَّزَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَالْمَعْنَى قَصَدْتُ أَمْرًا سَيِّئًا (قِيلَ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ) أَيْ: مُصَلِّيًا (وَأَدَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: أَتْرُكَهُ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ مَعْنَى «أَقْعُدُ» أَنْ لَا أُصَلِيَ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفْعَ، وَأَتْرُكُهُ يُصَلِّي، وَكِلَاهُمَا أَمْرُ سُوءٍ فِي الْجُمْلَةِ لِظُهُورِ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ.
وَأَمَّا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ أَرْبَابِ الْوَهْمِ أَنَّ مُرَادَهُ إِبْطَالَ الصَّلَاةِ لِلْإِطَالَةِ، وَقُعُودَهُ لِلْمَلَالَةِ، فَبَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وَلِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ عُلَمَائِنَا مِنْ أَنَّ النَّفْلَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ فِعْلِ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ مِنْ وُصُولِ مَرَامِهِ.
قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: الْقُعُودُ جَائِزٌ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَمَا مَعْنَى السُّوءِ.
قُلْتُ: سُوءٌ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَدَبِ، وَصُورَةِ الْمُخَالَفَةِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ هَمَّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُطْلَقًا لَا تَرْكِ الْقِيَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «وَأَدَعَ النَّبِيَّ» وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَهُوَ أَمْرٌ قَبِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ) أَيْ: إِسْنَادًا وَحَدِيثًا.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: مِنْ مَقْرُوئِهِ (قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ) أَيْ: مِقْدَارُ ثَلَاثِينَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْأَقَلِّ (أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَتْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْمِينِ تَحَرُّزًا عَنِ الْكَذِبِ أَوْ إِشَارَةً إِلَى التَّنْوِيعِ ; بِأَنْ يَكُونَ تَارَةً إِذَا بَقِيَ ثَلَاثُونَ، وَتَارَةً إِذَا بَقِيَ أَرْبَعُونَ (قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْقِيَامِ، فَالْقِيَامُ مُقَدَّمٌ فِي الْحُدُوثِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَمُقَارِنٌ لَهَا فِي الْبَقَاءِ (ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ
ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) قَالَ مِيرَكُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنِ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا أَنْ يَرْكَعَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أَنْ يَرْكَعَ قَائِمًا، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَشْهَبَ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.