للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

الجبس، فآل أمر الجزيرة الوسطى إلى الخراب ولم يسكن بها بيت ولا فتح بها دكان، ومنع المقاصفيّة أن لا ينصبوا مقصفا فى الجسر ولا فى الزربية، فلم يكر فى الجسر بيت ولا دكان ولم يسكن المسطاحى ولا حكر الشامى ولا الزربية، وصارت بيوت بركة الرطلى خاوية على عروشها، ولا سيما بيوت أولاد الجيعان وبيت كاتب السر وغير ذلك من بيوت الأعيان، فحصل للناس فى هذه السنة غاية الأنكاد بسبب ذلك وخسروا الناس كرى بيوتهم، وأشيع بسدّ خوخة الجسر، فتلطّف القاضى بركات ابن موسى المحتسب بالأمير الدوادار على [أن] يسمح للناس فى دخول المراكب على العادة وأن يسكن الجسر فأبى من ذلك، وقال إن العوام يفسدون نساء الأغوات المسافرين صحبة السلطان فى هذه النيليّة، واستمرّ مصمّما على منع ذلك، ثم فى أواخر النيليّة شفع القاضى بركات بن موسى فى خمس مراكب للبياعين بأن يدخلوا (١) فى البركة على العادة، فدخل الحلوانى والجبان والفاكهانى والعداس والسويخاتى لا غير، فأقاموا أياما يسيرة فلم يجدوا من يبيعون عليه، فمضوا إلى حال سبيلهم، واستمرّت بركة الرطلى ليس بها ديّار ولا نافخ نار، فعند ذلك عمل فيها الشيخ بدر الدين الزيتونى هذه المرثية اللطيفة فى واقعة الحال، فقال:

سألت إله العرش ينعم بالنصر … لسلطاننا الغورىّ فهو أبو النصر

مليك عزيز أشرف ومظفر … مؤيّد دين ظاهر كامل القدر

لغيبته أضحى على الكون وحشة … بها بركة الرطلى مدمعها يجرى

يحقّ لنا نرثى المقاصف بالبكا … خصوصا من المسطاح مع لذة الجسر

لقد كان فيه للخليع تواصل … لعمرك إن الوصل خير من الهجر

وكان به جمّيزة طاب ظلها … فناح عليها الطير والوحش فى القفر

على ما جرى للجسر ساقية بكت … وصاحت بقلب صار فى غاية الكسر

وساروجة يبكى بجامعه دما … وقد أصبح الشامى يبكى على الحكر

وأضحت بيوت الجسر خالية فلا … لصاحبها سكنى ولا واحد (٢) يكرى


(١) يدخلوا: يدخولوا.
(٢) واحد: حد.