فَوَقَعَ "جَابَانُ" قَائِدُ الْجَيْشِ فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ يُدْعَى مَطَرَ بْنَ فِضَّةَ التَّيْمِيَّ، وَوَقَعَ "مَرْدَانُ" فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ آخَرَ يُدْعَى أَكْتَلَ بْنَ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيَّ.
فَقَتَلَ أَكْتَلُ أَسِيرَهُ ....
أَمَّا "جَابَانُ"؛ فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ آسِرَهُ لَمْ يَعْرِفُهُ؛ فَجَعَلَ يَتَذَلَّلُ لَهُ، وَيُظْهِرُ لَهُ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ وَتَقَدَّمَ السِّنِّ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَيُمَنِّيهِ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْعَطَاءِ …
فَأَشْفَقَ (١) عَلَيْهِ مَطَرٌ وَأَمَّنَهُ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ.
لَكِنَّ "جَابَانَ" مَا كَادَ يَتَخَلَّصُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ آسِرِهِ؛ حَتَّى عَرَفَهُ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ وَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى قَائِدِ الْجَيْشِ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالُوا:
هَذَا "جَابَانُ" قَائِدُ جَيْشِ الْفُرْسِ، وَلَقَدْ أَمَّنَهُ أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ وَهْوَ لَا يَعْرِفُهُ، ثُمَّ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ.
فَقَالَ: وَالله! لَا أَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهَ …
فَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ؛ فَقَدْ لَزِمَهُمْ جَمِيعًا ....
وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ.
* * *
اسْتَسْلَمَ الْجُنْدُ الْمُنْهَزِمُونَ لِأَبِي عُبَيْدٍ … وَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا لَهُ الْجِزْيَةَ (٢)، وَجَاءُوا لَهُ بِنَفَائِسِ الطَّعَامِ وَالْأَخْبِصَةِ (٣) …
(١) أشفق عليه: عطف عليه.
(٢) الجزية: ما يؤخذ من الذميين لأنها تجزئ عنه؛ أي تكفيه معاملة الحربيين.
(٣) الأخبصة: نوع من الحلوى.