كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ الْإِسْلَامِ …
إِذْ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ الْمُبَارَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ إِلَّا الصِّدِّيقَ ﵁.
فَقَدْ نَفَرَا (١) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ، لِفَرْطِ مَا أَرْهَقَتْهُمَا (٢) قُرَيْشٌ، وَلِشِدَّةِ مَا أَنْزَلَتْ بِهِمَا مِنْ بَلَاءٍ.
* * *
وَكَمَا أَحَبَّ الْغُلَامُ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ ﷺ وَصَاحِبَهُ، وَتَعَلَّقَ بِهِمَا، فَقَدْ أُعْجِبَ الرَّسُولُ ﷺ وَصَاحِبُهُ بِالْغُلَامِ وَأَكْبَرَا أَمَانَتَهُ وَحَزْمَهُ؛ وَتَوَسَّمَا (٣) فِيهِ الْخَيْرَ.
* * *
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَخْدِمَهُ؛ فَوَضَعَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي خِدْمَتِهِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم انْتَقَلَ الْغُلَامُ الْمَحْظُوظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَمِ إِلَى خِدْمَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ.
* * *
لَزِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مُلَازَمَةَ الظَّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَكَانَ يُرَافِقُهُ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، وَيُصَاحِبُهُ دَاخِلَ بَيْتِهِ وَخَارِجَهُ …
إِذْ كَانَ يُوقِظُهُ إِذَا نَامَ، وَيَسْتُرُهُ إِذَا اغْتَسَلَ، وَيُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَيَخْلَعُهُمَا مِنْ قَدَمَيْهِ إِذَا هَمَّ بِالدُّخُولِ، وَيَحْمِلُ لَهُ عَصَاهُ وَسِوَاكَهُ، وَيَلِجُ الْحُجْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا أَوَى إِلَى حُجْرَتِهِ …
(١) نفرَا: خرجَا.
(٢) أرهقتهما: آذتهما وأتعبتهما.
(٣) توسما فيه الخير: تفرسا فيه الخير وترقباه منه.