فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَا أُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَفُوزُ بِدَعْوَتِهِ.
فَتَسَلَّلْتُ مِنْ مَكَانِي وَأَخَذْتُ شَفْرَتِي (١)، وَقُلْتُ:
أَذْبَحُ لَهُ وَاحِدَةً مِنَ الْأَعْنُزِ، وَلْيَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَكُونُ.
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ وأَخَذْتُ أَجُسُّهُنَّ لِأَرَى أَيُّهُنَّ أَسْمَنُ؛ فَإِذَا ضُرُوعُهُنَّ قَدْ حَفِلَتْ بِاللَّبَنِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُنَّ حُلِبْنَ وَشِيكًا.
فَأَخَذْتُ إِنَاءً وَحَلبْتُ إِحْدَاهُنَّ حَتَّى امْتَلأَ وَعَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَشَرِبَ …
ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ …
ثُمَّ نَاوَلْتَهُ فَشَرِبَ …
ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ، ثُمَّ ضَحِكْتُ …
فَقَالَ لِيَ: (إِنَّهَا إِحْدَى فِعْلَاتِكَ يَا مِقْدَادُ؛ مَا الَّذِي يُضْحِكُكَ)؟!.
فَحَدَّثْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ؛ فَقَالَ: (مَا كَانَتْ إِلَّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لَوْ كُنْتَ أَيْقَظْتَ صَاحِبَيْكَ؛ فَأَصَابَا مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبْنَا مِنْهُ).
فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي (٢) إِذَا شَرِبْتَ مِنْهُ أَنْتَ، وَشَرِبْتُ أَنَا مِنْ فَضْلَتِكَ (٣)؛ أَلَّا يَشْرَبَ أَحَدٌ.
* * *
اسَتَقَرَّ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فِي الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَوَّجَ بَعْدُ … فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (٤) ﵄؛ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
(١) الشَّفْرة: المدية أو السكين.
(٢) مَا أُبَالِي: ما أهتم وما أكترث.
(٣) فَضْلَتِك: ما بقي أو زاد عن حاجتك.
(٤) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف: انظره في الكتاب الرابع من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.