قال ابن حجر:" وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف "(١).
(٦) ٥ - ما رواه البخاري من طريق طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيداً المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي -ﷺ:" من احتبس فرساً في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه، وريّه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة "(٢).
قال ابن حجر:" قال المهلب وغيره: في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب الأولى "(٣).
(٧) ٦ - ما رواه الترمذي من طريق أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال:" ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ: " من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي " (٤).
(١) فتح الباري ٥/ ٤٠٢. (٢) صحيح البخاري في الجهاد/ باب من احتبس فرسا ٣/ ٢١٦. (٣) سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧٩، ترتيب المدارك ٤/ ٧٥١، فتح الباري ٦/ ٥٧. (٤) سنن الترمذي (٣٧٠٣). وأخرجه النسائي (٦/ ٢٣٥)، وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٢١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٩٤)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٦)، والضياء في المختارة (١/ ٤٤٨)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٧٤)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٦٨)، والنسائي أيضاً في الكبرى (٤/ ٩٧) وغيرهم. كلهم من طريق أبي مسعود الجريري واسمه سعيد بن إياس، عن ثمامة بن حزن .. به. ورواه عن أبي مسعود الجريري يحيى بن أبي الحجاج وهلال البصري. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان. وهذا الخبر فيه ضعف؛ وذلك من أجل الجريري أبي مسعود وهو وإن كان من الثقات لكنه اختلط بآخره، فكان يلقن فيتلقن كذلك، قاله الحافظ ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٤٢). إلا أن هذا الخبر جاء من عدة طرق عن عثمان ﵁، وفرقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ثلاثة مواضع من صحيحه، فذكره تحت باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة في كتاب المساقاة، وذكره في مناقب عثمان، وذكره في باب إذا وقف أرضاً أو بئراً واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين. قال: وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من حفر رومة فله الجنة "، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: " من جهز جيش العسرة فله الجنة "، فجهزتها؟ قال: فصدقوه بما قال. هكذا ذكره البخاري تعليقاً مجزوماً به وقد رواه الترمذي (٣٦٩٩)، والنسائي في سننه (٦/ ٢٣٦)، وفي الكبرى (٤/ ٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٢١)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٩٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٤٨)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٦٧)، والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (١/ ٥١٦)، والضياء في المختارة (١/ ٤٨٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٠)، والبزار في مسنده (٢/ ٥٦)، وابن أبي شيبة في أخبار المدينة (٤/ ٥٠)، وغيرهم. كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبد الرحمن وهو السلمي -كما جاء مصرحاً به عند النسائي وغيره- عن عثمان ﵁ - … به. وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الضياء المقدسي كما في المختارة. ورواه عن أبي إسحاق شعبة وزيد بن أبي أنيسة عنه، عن أبي عبد الرحمنالسلمي … به. وخالفهما يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، فروياه عن أبي إسحاق عن أبي سلمة أن عثمان أشرف عليهم حين حاصروه فقال: " أنشد بالله رجلاً سمع من رسول الله ﷺ يقول … " فذكره. ورواية يونس عن أبيه أخرجها أحمد في المسند (١/ ٥٩)، والنسائي (٦/ ٢٣٦)، وفي الكبرى (٤/ ٩٧)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٩٨)، والضياء في المختارة (١/ ٥٢٨)، وغيرهم. كلهم من طريق يونس عن أبي إسحاق … به. ورواية إسرائيل أخرجها الدارقطني في سننه (٤/ ١٩٨). ولكن هذا الإسناد الظاهر أنه منقطع؛ فإن أبا سلمة يظهر أنه لم يسمع من عثمان. قال المزي في تهذيب الكمال في ترجمته: روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبادة بن الصامت، وقيل لم يسمع منهما ". وقال ابن حجر -معلقاً على هذا-: " وذكر المزي أنه لم يسمع من طلحة ولا من عبادة ابن الصامت، فأما عدم سماعه من طلحة فرواه ابن أبي خيثمة والدوري عن ابن معين، وأما عدم سماعه من عبادة فقاله ابن خراش، ولئن كان كذلك فلم يسمع أيضاً من عثمان ولا من أبي الدرداء، فإن كلاً منهما مات قبل طلحة، والله تعالى أعلم ". تهذيب التهذيب (١٢/ ١٠٥). وقال ابن رجب في فتح الباري (٣/ ٣٠٢): " وفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر ". ومما يدل على أن أبا سلمة لم يسمع هذا من عثمان: أنه روى ابن شبة في أخبار المدينة (٤/ ٦٥) نحو هذا الخبر. وقال: " فيه أبو سلمة بلغني أن أبا قتادة ورجلاً آخر معه دخلا على عثمان ﵁ وهو محصور فاستأذناه في الحج … إلخ ". قال ابن شبة: أخبرنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن وهب، أنبأنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة … فذكره. وهذا مما يؤكد أن أبا سلمة لم يحضر هذه الواقعة ولم يسمع ذلك من عثمان ﵁. هذا فيما يتعلق برواية أبي سلمة عن عثمان ﵁، أما بالنسبة إلى الاختلاف فيه على أبي إسحاق وهل هو من روايته عن أبي عبد الرحمن السلمي، أو من روايته عن أبي سلمة أو أن الطريقين كلاهما صحيح؟ ظاهر صنيع البخاري أن رواية شعبة ومن تابعه هي الصواب، وأن رواية يونس وإسرائيل خطأ. وقال البزار عقب روايته له: " وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه الذي ذكرناه إلا أن يكون يونس بن أبي إسحاق قد خالف في إسناده فرواه عن أبيه عن أبي سلمة، ونحن لم نحفظه إلا من حديث أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن، ولا رواه عن شعبة إلا عثمان بن جبلة ". وقال الدارقطني في علله (٣/ ٥٢): " يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عليه ". فرواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وعبد الكبير بن دينار، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي، وخالفهم يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس فروياه عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب والله أعلم". فقول أئمة العلل والمبرزين فيه تقديم طريق شعبة ومن تابعه عن أبي إسحاق على طريق ابنه وحفيده بينما ذهب الضياء في المختارة (١/ ٥٣٠)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٥١١) إلى أن كلا الطريقين صحيح. قال الضياء: " وليس ببعيد أن تكون الروايتان صواباً، فإن في هذه الرواية زيادة على تلك الرواية فيكون أبو إسحاق سمعه منهما، يرويه مرة عن هذا ومرة عن ذاك، والله أعلم ". وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٥١١) -بعد نقله كلام الدارقطني-: " واتفاق شعبة وزيد بن أبي أنيسة على روايته هكذا أرجح من انفراد يونس عن أبي إسحاق، إلا أن الرجل أعرف به من غيرهم فيتعارض الترجيح فلعل لأبي إسحاق فيه إسنادين ". ولكن بالنظر في كلام أئمة العلل ومقارنتهم لأصحاب أبي إسحاق وخصوصاً مقارنتهم لشعبة مع غيره نجدهم يكادون يطبقون على تقديم شعبة على يونس وإسرائيل، فقدمه ابن معين، والإمام أحمد، وأبو زرعة، والترمذي وغيرهم. فإن قيل: البخاري والترمذي رحمهما الله تعالى قدما رواية إسرائيل ومن تابعه في حديث: " لا نكاح إلا بولي "، وهي موصولة على رواية شعبة وسفيان وهي مرسلة. فالجواب: أن البخاري والترمذي لم يقدما رواية إسرائيل ومن تابعه باعتبار أنها أصح من رواية شعبة، وإنما لأجل أنها احتفت قرينة توجب عندهما تقديم رواية إسرائيل، وهي ما صرح بها الترمذي ﵀ من اختلاف المحلين. والدليل على ذلك أيضاً: أن الترمذي وهو يتكلم على ترجيح إحدى الروايتين قال: وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث .... فظهر بهذا -والله أعلم- تقديم رواية شعبة وزيد على رواية يونس وإسرائيل. بقي الكلام على قول البزار: ولا رواه عن شعبة إلا عثمان بن جبلة. ومثل قول الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٧٣): " تفرد به عثمان بن جبلة بن أبي رواد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن ". وقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٥١١) بقوله: " وتفرد عثمان لا يضر فإنه ثقة ". وقد جاء هذا الخبر من عدة طرق عن عثمان ﵁ غير ما ذكرت لكن ما ذكرت هو أحسنها. وقال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ١٠٤): " هذا الحديث صحيح ذكره البخاري في موضعين من صحيحه بغير إسناد ". وقد تقدم أن البخاري ذكره في ثلاثة مواضع. وقال الحافظ بن حجر في الإصابة (٢/ ٤٦٢): " وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حصروه أنشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة … ومنها شراؤه بئر رومة ".