ثم قال:«وأطال الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، في نكتهما، المناقشة مع ابن الصلاح في ذلك، والتحقيق عندي: أنه لا اعتراض على ابن الصلاح، ولا مخالفة بينه وبين من صحح في عصره أو بعده»، وتقرير ذلك: أن الصحيح قسمان:
صحيح لذاته، وصحيح لغيره. كما هو مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره، والذي منعه ابن الصلاح، إنما هو القسم الأول، دون الثاني كما تعطيه عبارته، وذلك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث يسند من طريق واحد، لم تتعدد طرقه، ويكون ظاهر ذلك الإسناد الصحة، لاتصاله، وثقة رجاله، فيريد الإنسان أن يحكم على هذا الحديث بالصحة لذاته، بمجرد هذا الظاهر، ولم يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحة، فهذا ممنوع قطعا؛ لأن مجرد ذلك لا يُكْتَفَى به في الحكم بالصحة، بل لابد من فقد الشذوذ والعلة، والوقوف على ذلك الآن متعسر، بل متعذر؛ لأن الاطلاع على العلل الخفية، إنما كان للأئمة المتقدمين، لقرب أعصارهم من عصر النبي ﷺ، فكان الواحد منهم يكون شيوخه التابعين، أو أتباع التابعين، أو الطبقة الرابعة فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسرا للحافظ العارف، وأما الأزمان المتأخرة، فقد طالت فيها الأسانيد، وتعذر الوقوف على العلل، إلا بالنقل من الكتب المصنفة في العلل، فإذا وجد الإنسان في جزء من الأجزاء حديثًا بسند واحد ظاهره الصحة، لاتصاله وثقة رجاله، لم يمكنه الحكم بالصحة لذاته، لاحتمال أن تكون له علة خفية، لم يطلع عليها، لتعذر الإحاطة بالعلل في هذه الأزمان، ثم قال السيوطي: «وأما القسم الثاني - أي الصحيح لغيره -