للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حصلوا من الأخبار ما سهَّل طريقه إليهم شفيع الحسن الذي لا يُردُّ.

على أني أبصرتُ من غلمان الأتراك ذوي الأثمان الغالية ما أرجع فيه إلى الإنصاف، وأفضلُهم على غلمان أصناف الروم الذين يجلبون إلى ملوك الأندلس وسلاطين بَر العدوة.

ولقد أخبرتُ أنه كان بحلب منذ مدة قريبة مملوك تركي، حلف لي أحد المغاربة النقّاد أنه لم يَرَ أحسن من صورته في شرق ولا غرب، وأنه أعطى مولاه فيه ثلاثين ألف درهم ناصرية، فامتنع من بيعه، فمات على أثر ذلك.

ولو قيل بالمغرب أن مملوكًا بلغ هذا الثمن لو يَصَدِّق الناس ويضحكون عليه من هذا الحديث؛ إذ المعتاد في المغرب ما خلا الديار المصرية أن يكون المملوك الحسن الصورة من الإفرنج وغيرهم بخمسمائة درهم من هذه الدراهم؛ وهي ألف من الدراهم المغربية؛ فيكون عند الملك بدل هذا المملوك الذي هو بثلاثين ألف درهم كتيبة فرسان من ستين فارسًا. على أنهم أكثر ما يبتاعون المماليك الذين قيمة الواحد منهم خمسمائة درهم مغربية وستمائة ونحو ذلك.

قال: وهم أهل المشرق في هذا الشأن مسلمة لهم، وكل هذا الذي ذكرناه هنا مما ذكره ابن سعيد.

قلتُ: [أما قوله: «عن غلو ثمن المملوك ثلاثين ألف درهم ناصرية»، فهو معذور فيه، ولكنه ما عمر إلى أيام سُلطاننا ورأى ما جُلِب إليه، وما بَذَل من الأثمان، ولو رأى ذلك لاحتقر ما استكبر، واستقلَّ ما استكثر.

وأما قوله: «إن الدرهم الناصري بدرهمين مغربية» فقد قدمنا القول: إن الدرهم الكاملي معاملتنا اليوم بثلاثة دراهم مغربية عتيق، وهو بدرهمين مغربية جدد، ولعله أراد الجدد؛ وإلا فحيث لا يقال إنها جدد لا تكون إلا ثلاثة بدرهم، والناصرية التي ذكرها ضرب الناصر ابن العزيز، وهي دون الكاملية بقليل.

وأما الذي] ذكره من حُسن غلمان الروم فغير منكور، وإنّما التُركُ أتمُّ صورًا، وأكمل تخطيطًا، وللترك حُسن الوجوه، وللروم حُسن الأبدان؛ فمحاسن الترك أفضل؛ لأنها لا تُغطَّى ولا تُحجَّب، ومحاسن الروم أخفى لأنها تُغطَّى وتُحجَّب.

فأما شرف الجنس وبعد الهمة، ووفور العقل والشجاعة، فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى أنّ الاسكندر، وهو أجلَّ ملوك الروم بل الأرض، ولا خلاف في حكمته وفضله وقد أقرَّ للترك على نفسه؛ فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى

<<  <  ج: ص:  >  >>