خاب في زعمه، فيتكفل بوفاء ذلك الدين، وغسل ذمته وتنقيته من ذلك الشين، حتى إذا صار بريئًا من الطلبات، خالصًا من المطالبات عن له أن يشتري جارية، أو يزيد نفقة جارية، فلا يلبث شهرًا، حتى يعود أثقل ما كان ظهرا، ويدوم على هذا في الزمان دهرا، فيُقدّر له آخر، فيوفي عنه ما اشتغلت به ذمته، واشتعلت بشيب همه لمته، واستجيزت بسببه عند أهل الورع مذمته، هكذا كان دأبه، ودأب ما يحمل نفسه من أثقال التكاليف، وإنفاق جُمل المصاريف كان يحتفر الذهب، وفاء دينه على أهل الدنيا وجب، وكان على وفور علمه ودينه، وشواغله بالتصنيف في كل حينه، يكمن تارة في زناده، ويحبس أواره في فؤاده، ويلبس الرجال على بعضها، ويسلب كل الأعمال لبعضها، وربما قدر فعقر، وأخذ فما غفر، إلا أن التقوى كانت تمنعه من أليم المجازاة، وتردّه عن بلوغ حَدّ الغاية من التشفي وفي النفس حزازات.
ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بقرب الينبع من أرض الحجاز، وسمع الحديث، وخرج لنفسه أربعين تساعية، وكان من أذكياء زمانه، واسع العلم، كثير الكتب، مديمًا للسهر، مكبًا على الاشتغال، ساكنًا، وقورًا، ورعًا، قل أن ترى العيون مثله، وله اليد الطولى في الأصول والعقول، وخبرة بعلل المنقول. ولي قضاء الديار المصرية سنوات إلى أن مات، وكان في أمر الطهارة والمياه في نهاية الوسوسة.
قال الحافظ قطب الدين الحلبي: كان إمام أهل زمانه، وممن فاق بالعلم والزهد على أقرانه، عارفًا بالمذهبين، وإمامًا في الأصلين، حافظًا متقنًا في الحديث وعلومه يُضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ والاتقان والتحرّي، شديد الخوف، دائم الذكر، لا ينام الليل إلا قليلًا يقطعه فيما بين مطالعة، وتلاوة، وذكر، وتهجد، حتى صار السهر له عادة، وأوقاته كلها معمورة، ولم ير في عصره مثله. وعدّ مصنفاته، ثم قال: عزل نفسه من القضاء غير مرّة، ثم يُسال ويُعاد.
قال: وبلغني أن السلطان حسام الدين لما طلع الشيخ إليه، قام للقيه، وخرج عن مرتبته، وكان كثير الشفقة على المشتغلين كثير البر لهم.