وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسدًا على [الفضائل]. هذا معنى كلامك لم أورد ألفاظه، وإن أصبت أغراضه إشفاقًا من أن أفصح كلامي به، وأدلك على قصور التي تجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب، ثم قلت: إن ذكر الفتى عمره الثاني، والميت المجهول لا الفاني؛ فمن من هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشأنه، وجن أثوابه كفنه، وجهله جننه، وهؤلاء الذين انتصبت في وصفهم جياد مدحك وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي، وبخلاف هذا المذهب قائلون.
فوليت في حيز وعزلت وارتفعت في حال ونزلت وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدّين في حال ثم زدت في التعليل، وبالغت على الاحتجاج باعتمادك تكذيب من قال: إن الذي قلته لو ارتفع، والذي قاله غيرك لو وقع، لكان قرب المسافة التي هي شوط جار، بل غمضة سارٍ، توجب حلَّ الشك، وانجلاء الإفك؛ فعجبت من أمنك مراجعًا لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوتك عقدي؛ يجعل جوابك قول القائل:[من الوافر]
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي
وغفرًا غفرًا لهذا العقوق؛ وخذه بإزاء قولك: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ (١)، وعلى كل فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا: وما أشبهنا بالغربية التي خيرها يدفن وشرها يعلن يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه والبحر بعلمه، والنار بذكائه والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة.
وفي فصل منها:
ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعلم مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صنعنا، لكان عذرنا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحًا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحًا، وإن كان كتب بإطلاق قولك هذا قد جاهرتنا - وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف إنقاذ كريم طبعك لها، وأعجب أيضًا من بخوعي لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أنَّ عندكم لنا تواليف تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها: وإِنَّ ودًا عقل لك لساني، ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لود يفضح الروض في حزنه،