برق تهلل في أسرته، سهم أي سهم، وخاطر لا يمر به وهم، إلا أنه كان من رؤوس الاعتزال، وصدور أهل الاعتلال كلمة أجمع عليها أهل السنة، وأطلقت عليه بالتحقيق لا بالظنة بان بها انكشافه وحقق أمرها كشافه، وجاور البيت الحرام بمكة باقي مدته، وثوى بها ثواءً لا هبوب من رقدته، وكان بها ربيعًا لأهل ذلك الوادي، وضياء لآهلة ذلك النادي، تسري الركائب إليه، وترى الوفود تمام الحج أن تقف المطايا عليه، وكان يُسمى جار الله، وهكذا كان يكتب في الفتاوى، ويقال إنه كان يرى جواز إباحة المتعة، ولا يصرح منه إلا بطرف إيماء، وقيل إنه ربما فعله مع بعض أعزاء أضيافه، وأخصاء نزلائه من أهل ائتلافه.
كان واسع العلم، كبير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفننًا لكل علم، معتزليًا، قويًا في مذهبه، مجاهرًا به، حنفي الفروع. ورد إلى بغداد غير مرة، وجاور بمكة، وتلقب بجار الله تشبيهًا بأبي المعالي الجويني، إذ تلقب بإمام الحرمين لمجاورته بهما، وكان يلقب أيضًا بفخر خوارزم.
دخل عليه بعض الفضلاء، فقال له: بم عاجلك الشيب؟ قال: بمتابعة الأسفار، ومطالعة الأسفار، فقال الزمخشري: إن رواءه يدل على ما وراءه.
وأصاب الزمخشري في رجله خراج، فقطعها، وصنع عوضها رجلًا من خشب، وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظن من يراه أنه أعرج.
ومن شعره ما قاله في شيخه فريد العصر أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني (١): [من الطويل]
سلام عليكم أدمعي قَلَّ ما تَرْقا … إذا شِمْتُ مِنْ تلقاءِ أَرضِكُم بَرْقا
= (٥٤٠ هـ) ص ٤٨٦ رقم ٣٩٨. حقق ديوانه، الدكتور عبد الستار ضيف، ومن المؤسف أني لم أطلع عليه، ثم أردفه بدراسة عنوانها «جار الله، محمود بن عمر الزمخشري، حياته وشعره» ط عالم الكتب - القاهرة ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م. (١) كتاب «جار الله محمود بن عمر الزمخشري» ١٢٩ - ١٣٠.