للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقلعي والإشارة في قوله تعالى وغيض الماء، فإنه عبر بها بين اللفظتين عن معان كثيرة، والتمثيل في قوله سبحانه: وقضي الأمر، فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له.

والإيذان في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١) فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان استقرارًا متمكنًا بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم إذ استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها، والاحتراس في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، إذ الدعاء عليهم يشعر بأنهم مستحقو الهلاك احتراسًا من ضعيف العقل يتوهم أن العذاب شمل من يستحق، ومن لا يستحق، فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين، والإيضاح في قوله تعالى: ليبين أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة حيث قال ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (٣) هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة، وأنه يحصل بسقوطها لبس في الكلام، والمساواة؛ لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لأنه عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب، وائتلاف اللفظ مع المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها، والإيجاز؛ لأنه اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخل منها في أقصر عبارة، والتسهيم؛ لأن أول الآية إلى قوله أقلعي يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن عليها رونق الفصاحة سليمة من التعقيد، والتقديم، والتأخير والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء وباقي مجموع الآية من الإبداع، وهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعر أو القرينة الواحدة من النثر عدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جملة. قال: فهذه سبع عشرة لفظة تضمنت أحدًا وعشرين ضربًا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.

وأنشد له ابن سعيد قوله في المرقص: [من المتقارب]

ولما رأيتُكَ عند المديح … جَهْمَ المُحَيَّا لنا تنظرُ

تيقنت نحلك لي بالنَّدَى … لأنَّ الجَهامة لا تُمطر


(١) سورة هود: الآية ٤٤.
(٢) سورة هود: الآية ٤٤.
(٣) سورة هود: الآية ٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>