للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأكمه، وكان يعرف بضياء الحس، ودرس الحكمة، ولم ينفعه من جهة الأمومة الشريفة النبوية قربه، ولم يمنعه وقد قضى عليه بالبعد ربه. قتل بسيف النبوة صبرًا، وعجل له مثوى في جهنم يسمى قبرًا.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان النضر قد سافر البلاد أيضًا كأبيه. واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة. واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، وأطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه، أيضًا، ما كان يعلمه من الطب وغيره. وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي ، لكونه كان ثقفيًا، كما قال رسول الله : قريش والأنصار حليفان، وبنو أمية وثقيف حليفان.

فكان النضر كثير الأذى والحسد للنبي ، ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، كما يحط من قدره عند أهل مكة، ويبطل ما أتى به. ولم يعلم لشقاوته، أن النبوة أعظم؛ والسعادة أقدر؛ والعناية الإلهية أجل؛ والأمور المقدرة أثبت. وإنما النضر اعتقد أن بمعلوماته وفضائله وحكمته يقاوم النبوة، وأين الثريا من الثرى والحضيض من الأوج، والشقي من السعيد؟ وما أحسن ما وجدت حكاية ذكرها أفلاطون في كتاب النواميس في أن النبي وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته، ولا العالم بعلمه. قال أفلاطون: وقد كان مارينوس، ملك اليونانيين الذي يذكر أوميرس الشاعر بأسه وجبروته، وما تهيأ لليونانيين في سلطانه، رمي بشدائد في زمانه، وخوارج في سلطانه، ففزع إلى فلاسفة عصره. فتأملوا مصادر أموره ومواردها، وقالوا له: قد تأملنا أمرك، فلم نجد فيه من جهتك شيئًا يدعو إلى ما لحقك، وإنما يتعلم الفيلسوف الإفراطات وسوء النظام الواقعين في الجزء. فأما ما خرج عنه، فليس تبحث عنه الفلسفة، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة. وأشاروا عليه أن يطلب نبي عصره ليجتمع له مع علمهم ما ينبيء به، وقالوا: «إنه لا يسكن في البلدان العامرة، وإنما يكون في الأقاصي المقفرة بين فقراء ذلك العصر «فسألهم ما يجب


= وفي المؤرخين من يقول إنها أخت النضر. وفي الرواة من يرى أن الشعر مصنوع وأن النضر لم يقتل «صبرًا» وإنما أصابته جراحة، فامتنع عن الطعام والشراب ما دام في أيدي المسلمين.
ترجمته في: عيون الأنباء ١٦٧ - ١٧١، الكامل لابن الأثير ٢/ ٢٦، وزهر الآداب، الطبعة الثالثة ١/ ٣٣، ٣٤، ومعجم البلدان ١/ ١١٢، ومطالع البدور ١/ ٢٣٢، وجمهرة الأنساب ١١٧ ونسب قريش ٢٥٥، والبيان والتبيين، تحقيق هارون ٤/ ٤٤٣، ونهاية الأرب للنويري ١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠، ٢٧١، والمحبر ١٦٠ - ١٦١، والجمحي ٢١٣ - ٢١٤، وانظر ترجمة «قتيلة» في الإصابة: كتاب النساء، رقم ٨٨٩، والأعلام ٨/ ٣٣.
(١) عيون الأنباء ١٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>