للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معرفة بالطب منك! شكا الأمير الصداع في رأسه، فتصف له دواء برجليه! فقال له: أما إن علامة ما قلت فيك بينة، قال الخصي: وما هي؟ قال: نُزعت خصيتاك، فذهب شعر لحيتك. فضحك الحجاج ومن حضر.

وشكا الحجاج ضعفًا في معدته وقصورًا في الهضم إلى بياذوق فقال: يكون الأمير يحضر بين يديه الفستق الأحمر القشر البراني ويكسر ويأكل من لبه، فإن ذلك يقوي المعدة. فلما أمسى الحجاج بعث إلى حظاياه وقال: إن بياذوق وصف لي الفستق. فبعثت إليه كل واحدة منهم صينية فيها قلوب فستق، فأكل من ذلك حتى امتلأ. وأصابته بعقبه هيضة كادت تأتي على نفسه. فشكا حاله إلى بياذوق، وقال: وصفت لي شيئًا أضر بي، وذكر له ما تناول فقال له: إنما قلت لك أن تحضر عندك الفستق بقشره البراني، فتكسر الواحدة بعد الواحدة، وتلوك قشرها البراني وفيه العطرية والقبض، فيكون بذلك تقوية المعدة. وأنت فقد عملت غير ما قلت لك. وداواه مما عرض له.

وقيل: ومن أخباره مع الحجاج، أنه دخل عليه يومًا فقال له الحجاج: أي شيء دواء أكل الطين؟ فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير، فرمى الحجاج بالطين من يده ولم يعد إليه أبدًا.

وقيل: إن بعض الملوك لما رأى بياذوق وقد شاخ وكبر سنه، وخشي أن يموت ولا يعتاض عنه؛ لأنه كان أعلم الناس، وأحذق الأمة في وقته بالطب. فقال له: صف لي ما أعتمد عليه فأسوس به نفسي، وأعمل به أيام حياتي، فلست أمن أن يحدث عليك الموت، ولا أجد مثلك؛ فقال بياذوق: أيها الملك بالخيرات، أقول لك عشرة أبواب إن عملت بها، واجتنبتها لم تعتل مدة حياتك، وهذه عشر كلمات:

لا تأكل طعامًا وفي معدتك طعام، ولا تأكل ما تضعف أسنانك عن مضغه، فتضعف معدتك عن هضمه؛ ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين؛ فإن أصل الداء التخمة، وأصل التخمة الماء على الطعام؛ وعليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة؛ فإنه يخرج من جسدك ما لا يصل إليه الدواء؛ وأكثر الدم في بدنك تحرس به نفسك؛ وعليك في كل فصل قيئة ومسهلة؛ ولا تحبس البول وإن كنت راكبًا؛ واعرض نفسك على الخلاء قبل نومك؛ ولا تكثر الجماع؛ فإنه يقتبس من نار الحياة فلتكثر أو تقل؛ ولا تجامع العجوز فإنه يورث الموت فجأة.

فلما سمع الملك ذلك أمر كاتبه أن يكتب هذه الألفاظ بالذهب الأحمر، ويضعه في صندوق من ذهب مرصع، وبقي ينظر إليه في كل يوم ويعمل به، فلم يعتل مدة حياته حتى جاءه الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>