إلى أن وزر، واتشح برداء الكبرياء واتزر، إلا أنه لدى ملك لم يفخر لديه خديم، ولا أثرى بندي يديه عديم، فضيق نطاقه، وعدم رواج الفضل عنده ونفاقه، لصغر بلده، وقلة ذات يده.
قال ابن أبي أصيبعة (١): أوحد في الطب، قدوة في الحكم، مفرط الذكاء، فصيح اللفظ، شديد الحرص في العلوم، متفنن في الآداب. فما يدانيه في شعره لبيد، ولا في ترسله عبد الحميد [من الطويل].
ولما رأيت الناس دون محله … تيقنتُ أَنَّ الدهر للناس ناقد
مولده بحلب سنة سبع وستمائة وأتى دمشق. وقرأ على المهذب عبد الرحيم. وخدم المنصور إبراهيم صاحب حمص. وكان يعتمد عليه وأحواله تزداد لديه حتى استوزره، واعتمد عليه بكليته. فلما توفي الملك المنصور بعد كسرة الخوارزمية، توجه إلى الخدمة الصالحية النجمية بمصر، فأكرمه وجعل له كل شهر ثلاثة آلاف درهم، وبقي على ذلك مدة. ثم وجه إلى الشام ناظرًا على الديوان بجمع الممالك الشامية.
وله نثر منه قوله: وقف الخادم على المشرفة الكريمة أدام الله نعمة المنعم بما أودعها من النعم الجسام، واقتضبه من الأريحية التي أربى فيها على كل من تقدمه من الكرام، وأبان فيها عما يقضي على الخادم بالاسترقاق، وللدولة خلدها الله بمزايا الاستحقاق. وكلما أشار المولى إليه فهو كما نص عليه، لكنه يعلم بسعادته أن الفرص تمر مر السحاب، وقد ضاق الوقت بحيث لا يحتمل التأخير والمولى يعلم أن المصلحة تقديم النظر في هذا المهم على جميع أنواع التدبير، وما الخادم مع المولى في هذا إلا كسهم، والمولى مدده والسيف والمولى مجرده، فالله الله في العجلة والبدار. فقد ظهرت مخايل السعادة والانتصار. والحذر الحذر من التأخير والإهمال فيفوت والعياذ بالله الأوقات التي نرجو فيها بلوغ الآمال، والمسؤول من كرم الله أن ينهض المملوك في خدمة السلطان بما يبيض وجه أمله، ويكون ذلك على يد المولى بقوله وعمله.
ومن شعره قوله يمدح سيدنا الخليل ﵊:[من الكامل]
هذي المهابة والجلالُ الهائلُ … بَهَرا فماذا أن يقول القائل
= التي عند حمام الفلك (بدمشق) ولما مات سنة ٦٧٠ هـ/ ١٢٧١ م دفن عندها. وفي هامش على كتاب «الدارس» للنعيمي، أن اللبودية اندرست وبقي هناك بستان يعرف ببستان اللبودي. ترجمته في: عيون الأنباء ٦٦٣ - ٦٦٨، وتالي كتاب وفيات الأعيان ١٧٠ رقم ٢٨١، تاريخ الملك الظاهر ٤٩ - ٥٠، عيون التواريخ ٢٠/ ٤٢٩، البداية والنهاية ٩٣/ ٢٦٢، عقد الجمان (٢) ٩٨، الدارس ٢/ ١٣٥، والأعلام ٨/ ١٦٥، وتاريخ الإسلام (السنوات ٦٦١ - ٦٧٠ هـ) ص ٣٢١ رقم ٣٦٨. (١) عيون الأنباء ٦٦٣.