للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعظم أثر إلا معلقًا نجاد سيفه بحمائل.

وكان قد استوزره المهدي لابنه هارون الرشيد فكان يقوم بأمره. فلما صارت الخلافة إلى الهادي، أراد خلع أخيه الرشيد والعهد إلى ابنه جعفر، فدعا بيحيى، فلما وصل إليه أكرمه ورفق به وقال له: أنت الذي يقول فيك القائل: [من الخفيف]

لَوْ يَمَسُّ البَخِيْلُ رَاحَةَ يَحْيَى … لَسَخَتْ كفُّهُ بِبَذْلِ النَّوَالِ

لَسْتُ يَحْيَى مُصَافِحًَا حِيْنَ أَلْقَى … إِنَّنِي إِنْ فَعَلْتُ أَتْلَفْتُ مَالِي

فقال له: تلك راحتك يا أمير المؤمنين وقبل يده ورجله فأمر له بإقطاع مصر، ووجه له بعشرين ألف دينار، ثم ناظره في خلع هارون، فقال له يا أمير المؤمنين: إنَّك إن حملت الناس على نكث الإيمان، هانت عليهم أيمانهم وجرأتهم على حل العقود التي تعهد عليهم، ولو تركت الأمر على بيعة أخيك بحاله، وبويع بحضرته من بعده، لكان أوكد لبيعته! فقال له: صدقت ونصحت، وأنا أنظر في هذا، ثم صرفه: ثم لم تطب نفسه، ودعا بيحيى فحبسه، فتلطف لأن يدعو به ويخليه، ففعل به ذلك، فلما خلا به قال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان ما نعوذ بالله منه قبل بلوغ جعفر، وقد خلعت هارون هل تتم الخلافة لمن لم يبلغ الحلم؟ قال: لا. قال: فدع هارون حتى نبايعه عفوًا فالله الله يا أمير المؤمنين، فإنَّك إن فعلت هذا وحدث ما نعوذ بالله منه وثب على هذا الأمر أكابر أهلك وخرج الأمر عن ولد أبيك. ووالله لو لم يكتب المهدي عقدًا لهارون لوجب أن تعقد له، ليكون الأمر في بني أبيك، فسكن منه بهذا الأمر وأطلقه (١).

وحكي أن خالد بن برمك لما انصرف من فارس قصد باب المهدي ومعه ابنه يحيى، والحاجب إذ ذاك معاذ بن مسلم، فسلم خالد على معاذ فصافحه، ثم مد مد يحيى يده إليه ليصافحه فقبض معاذ يده، فقال له خالد: لم قبضت يدك يا أبا الحسن عن ابن أخيك؟ فقال: أكره أن أتلف مالي! أليس قال أبو حبيش: [من الخفيف]

«لست يحيى مصافحًا حين ألقى»

البيت المقدم ذكره.

ولما صار الأمر إلى الرشيد، كانت الدواوين كلّها إلى يحيى بن خالد مع الوزارة، خلا ديوان الخاتم، فإنه كان إلى أبي العباس الطوسي، ثم ولاه جعفر بن محمد بن الأشعث، ثم دفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فقلّده الفضل ابنه، ثم أحب


(١) الوزراء ١٦٩ - ١٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>