للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجئناهم مجيء السيل، وظللنا عليهم ظلل الغم، وغشيهم منا ما غشى فرعون وجنوده من اليم، مع كون مكانهم قد جمع لهم منعة البر والبحر، وحلّ منهم بين السحر والنحر، تصدّ الرياح الهوج عنه مخافة، ويرجع عنه الطرف حسيرًا لبعد المسافة، فلم يكن بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصتِهِ، وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب الخطب وعسكرنا بحمد الله قد ملأ الفجاج، واستعذب الأجاج، وقاسمهم الرماح، فأعطاهم الأسنّة وأبقى الزجاج، يتعرض أبطاله المنايا وإن كانت عرضًا، ويقول كل منهم ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١)، فلم يزل القتال ينوبهم، وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصوبهم، والمجانيق تذلل سورتهم، وتسكن فورتهم، وترميهم بنجومها، وتَصْمِهم برجومها، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلًا منهم مذمومًا مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالسلم، وفتنتنا بهم فَـ ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٢) الى أن فتحناها ولله الحمد عنوةً، وحللنا مكائدهم فيها عقدةً عقدةً، ونقضناها عروة عروة، وسطرنا هذه البشرى وأعلام النصر قد خَفَقَتْ عليها بنودها، ودلّت لها علوج الكفرة وكنودها، والسيف من دمائهم يقطر، والصليب خزيان ينظر، والأذان مكان الناقوس، والقراء موضع القسوس، والكنيسة قد عادت محرابا، والجنّة قد فتحت للمجاهدين فكانت أبوابا، وكنا نود ان يكون الولد معنا في هذه المشاهد، وان ينظرها بعين المشاهد، وانا نرجو ان لا يكون ممن يستلين المرقد، وإن لم تحضره هذه الغزوة فيتأهب للأخرى، فكأن قد.

ومنه قوله من كتاب كتبه الى صاحب اليمن بفتح طرابلس:

هذه الخدمة بما تسنى من فتوح طرابلس الشام، وانتقالها بعد الكفر الى الإسلام، هو فتح طال عهد الإسلام بمثله، وقدح فتّ في عضد الشرك وأهله، لم يجل أمره في خَلَدٍ ولا فكر، ولا رَقَتْ إليه همة عوان من النوائب ولا بكر، مرت عليها الأيام والليالي، وعجز عنها من كان في العصر الخوالي، ولم تزل الملوك تتحاماها، وإذا خطرتها الظنون في بال تخشى ان تحل حماها، ولما أفضى الله إلينا أمر الملك، وأنجى بنا من الهلك، عاهدنا على ان نغزو أعداءه برًا وبحرًا، ونوسع من كفر به قتلًا وأسرًا، ونورد المشركين موارد الحرب المفضية بهم الى الهرب، ونجليهم عن البلاد جلاء طوائف المشركين عن جزيرة العرب، فجئناهم


(١) سورة طه: ٨٤.
(٢) سورة الذاريات: ٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>