للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لحبيبه، والعليل المرتقب لطبيبه، وهو كلما حَلّ بُقْعَةً صد صدا، وأجدى جدا، وكلّما حباها بأصبع شكرت له يدًا، وكان قد وصل في اثناء ذلك المفرد من الاعمال القوصية مخبرًا بوفائه، واقتضى مذهبنا الشريف الحكم بخبر المفرد، والعمل ما عنه يروى وإليه يسند، ومع ذلك وصل التثبت الى أن نقل هذا الأمر من الخبر الى العيان، واستحق خليج مصر ان يُفَك عنه الحجر، ويجري مطلق العنان، ومن غرائب هذا البحر وإن كثرت فيه الغرائب، ومن الغرائب انه كلما تتكدر تتبسم له الثغور وتفتر، وانه نيل أزرق وبصبغة تروق البلاد وتخضر، وسطرناها والخواطر الشريفة واثقة بسقيا امنت من فوتها، والعيون ناظرة الى أثر رحمة الله كيف تحيى الأرض بعد موتها، والديار المصرية قد غَدَتْ للريّ في أكمل زيّ، وأبدت تموج الحلل وتبرج الحلي، وزهَتْ حُسْنًا بالزيادة في الحسنى وتلا على ساكنها لسان الرحمة. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١) فالمجلس بحمد الله لما أعاده على الوجود من إشراقه وأنسه، ويستديم النعمة بالشكر: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (٢)، والله تعالى يجعل هذه الرحمة الى جهاته حسنة التفريج، مناظره بها ناظرة الرياض في التدبيج، مظهرة فيها معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٣) ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٤).

ومنه قوله:

وينهي ورود المشرف العالي، فاطلع من جواهر الالفاظ ما لو شاهده البدر لما أسْفَر أو سمع به عبد الحميد لأحَبَّ ان لا يُذكر، فتنزه في رياض كتابته التي اينعت أغصانها، وأبهجت بفنونها أفنانها، فلولا حلّها وحرمة السحر لقلنا سحرا، ولولا انه شغل الأعناق بمننه لقلدناها إذ هي الدر نحرا.

ومنه قوله يذكر النيل:

وأمست التراع منه تراع، وأصبح الجدب مع ما كان فيه من القوة وقد أخَذَ في النزاع، وحققت به عروس مصر أن يزيد كقطرة في بحرها إذ يزيد (٥)، وأن باناس لا ترفع به خلجانها من راس وان ثورا لو حق به شرب لما كمل دورا، وان كل رابية منها تربى على الربوة والنيرب (٦)، وكلّ برق ما عدا سحبها الهاملة خُلَّب، وانها


(١) سورة النور: ٥٥.
(٢) سورة لقمان: ١٢.
(٣) سورة فصلت: ٣٩.
(٤) سورة الحج: ٥.
(٥) يزيد وباناس وثورا: من فروع بردى.
(٦) الربوة والنيرب: مناطق نزهة غربي دمشق.

<<  <  ج: ص:  >  >>