للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أدام الله الأنس بقرب الجناب العالي القضائي الامامي، وجعله للمتقين إمامًا، ورأيه للصواب زمامًا، ولقاءه بمنّه حيث يحلّ تحية وسلاما، ورد المشرف الكريم الذي تلقاه بقلبه قبل يده، وحلّ منه بمحل روحه من جسده، وناظره من أسوده وسرّ بما تضمنه من أخبار قربه، وبما دَلَّ عليه من فنون فضلِهِ الذي المملوك منه على بينة من ربه، ويحقق الإشارة الكريمة في تفويض قضاء القضاة إلى نظره الكريم، وحصول التعويل في ذلك على مقامه الذي يتشرّف به كلّ عظيم، ولقد حال هذا المنصب من جلالة قدره ما سر به واغتبط، وتحقق بمصيره إليه أنه على الخبير به سقط، ووصل التقليد الشريف، وقبل وقوبل بالامتثال، وحصل السرور به وعم، وكمل به هناء القلوب وتم، وعرض له من الارتياح إلى لقائه ما سلبه القرار، وعظم به الشوق عنده، وأعظم ما يكون، إذا دَنَتْ الديار من الديار، ولولا ما يعلمه المولى من التصدي لمهمات الاسلام، لما نابت من قصد لقائه الاقلام عن الاقدام، والله تعالى يقدمه قدوم البدر بروج سعوده، ويديم في المعالي سموه إلى الغاية التي لا مزيد على غايتها في صعوده.

ومن شعره قوله: [من الطويل]

بكيتُ بدمع فاق دمع الغمائم … وناحت لنوحي ساجعات الحمائم

على جيرة جار الزمان لفقدِهِمْ … وَمِنْ بعدِهِمْ جاورت غير ملائم

مضت لي بهم أيام أنسٍ حميدةٌ … نَعمْتُ بها دهرًا كأحلام نائم

وإني بأرض الشام اشتقاقُ ارْضَهم … إذا لَمْعُ برق لاح منها لشائِمِ

فلله أيام الصبا حيث لا نرى … وقارًا لنا إلا بخلع العمائم

ومنه قوله (١): [من الطويل]

وكم سرحةٍ لي في الرُّبى زمنَ الصّبا … أشاهد مرأى حسنها متملا

ويسكرني عَرْفُ الشذا مِنْ نسيمها … فأقضى هوًى من طيبه حتف انفيا

وأسأل فيها مَبْسِمَ الروضِ قُبلَةً … فيبرزُ مِنْ أكمامه لي أيديا

فلله روض زرته متنزهًا … فأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا

غدا الغصنُ فيه راقصًا ونسيمُهُ … يكرُّ على مَنْ زاره متعديا

ترجلت الأشجار والماء خرَّ إذ … نسيم الصبا أضحى [به] متمشيا

تغنت لديه الورق والغصن راقص … فيغرق وجه الأرض من كثرة الحيا


(١) الوافي بالوفيات: ٢٢/ ٣٧، وفوات الوفيات: ٣/ ٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>