للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكتبت له جوابا منه:

وانتهى إلى هنا، والنسيم في السحر قد هلهل ثوب الظلام، وسحب رداءه على أعقاب ذيول الغمام، والجوزاء قد انتشرت تحت مسبح السرطان، وشعاع الشمس المحمر قد غرق في مقلة الأسد الغضبان، والديك قد طلع على شرف الجدار، وصاح في الليل منه جاويش النهار، والمصابيح قد فرغ سليطها، وكثر في ضوء الصباح تخليطها، فوقف المملوك وقفة الحيران، وتململ تململ الغيران، وأراد أن يطيل القول بقدر ما يدعوه إليه رائد الشوق، ويحمله على أن يحمل السمع الكريم فوق الطوق، ثم رجع فعاتبه الطليح، وجاذبه قلمه الطريح، وانبه أدبه وقال له: قد آن لك أن تريح الرجل من تطويلك وتستريح.

ومنه قوله: أعني اليماني في كتاب يزعمه في معنى الكتاب الفاضلي بفتوح القدس:

هذا وعلوم الديوان العزيزة محيطة باستيلاء أهل التثليث على البيت المقدس. والمسجد الذي هو على التقوى مؤسس، وأنهم جعلوه مفزع طريدهم، ومقر شريدهم، ومعقل رهبانهم، ومعلم أديانهم، ومقر طالبهم، ومنتجع هاربهم، ومنهج شرعتهم، وعمود بيعتهم، وعكاظ نفاقهم، وموسم شقاقهم، وبادي سمارهم، ومظهر شعارهم، ومنار منارهم، وملتقط أخبارهم، ومنزل أحبارهم، مع أن طوائف الفرنج ببيعته طائفة، وأمم النصارى على دين الصليب به عاكفة، لا يعرفون عن الانجيل غير ما بدلوه، ومن القرب غير ما مثلوه، فنهض إليه الخادم في جحفل من أولياء الدولة القاهرة، يرون الموت مغنمًا، والسلامة مغرمًا، والهزيمة عارًا، والادبار نارًا، ما حلّوا بأرض إلا وأنبتت من ساعتها قنًا، ولا نازلوا حصنًا إلا بلغوا من شامخه المنى، وبايعوا الله على أخماده جهارا، وعاهدوه على أن لا يذر ماضي سيوفهم على وجه الأرض من الكافرين ديارًا، فلما شاهدنا رفعتها، وميّزنا علوّها ومَنَعَتها، رأينا معهدًا أخذ الشيطان على أهله أن لا يخفر لهم عهدا، وعلما أمسى لدين النصرانية على ما أدعوه فردا، قد كملوا عدتها وعديدها، واستخدموا للمحاربة شقيها وسعيدها، وإذا رأوا على أرجائها حفيرًا لجمالها سوارًا، ولحمايتها من التطرق إلى منازعة نزعها إسوارًا، بناء ولكن تقصر عن مماثلته يدان، وإتقان هو بلا شك من صنعة الجان، وعمارة ولكن من ساحر عتيد، وتدبير ولكن عن رأي شيطان مريد، وتماثيل يخيل إلينا من سحرهم أنها تسعى، وصحراء أرض ليس لمن أقام بها ظلّ هناك ولا مرعى، فاسترقينا مكانا دلّنا عليه حسن الايمان، نصبنا على ارجائه منجنيقًا هدر بازله، وهَتَمَ ثغر تلك الأبنية نازله، وتجسدت عصيه حيات تلقف ما

<<  <  ج: ص:  >  >>