للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَما تَرى هَذِهِ العُلومَ الجَمَّةَ وكيفَ زَخَرَ بَحْرُها، وأَثَرَ فِي الأَلْبَابِ سِحْرُها؛ وهذهِ الفَضائل وكيفَ تَفَنَّنَتْ فُنُونُها، وفَتَنَتْ عُيونُها، وتَهَدَّلَتْ بِالْأَثْمَارِ أَفْنَانُهَا، وَتَزَخْرَفَتْ بِالمَحاسِنِ جِنانها؛ وهذهِ الأَلْمِعَيَّةَ وكيفَ ذَهَبَتِ الأَصائِلَ، وَهَذِهِ اللَّوْذَعِيَّةَ وما أَبْقَتْ مقالًا لقائل، وهذهِ الفَواضِلَ وقد تَوَقَّدَ ذُبالُها وَتَقَدَّدَ بِها أَدِيمُ الظَّلامِ وَتَشَقَّقَ سِرْبَالُها، وهذه البَراعَةَ التي فاضَتْ فَكُلِّ منها سكرانُ طافِحٌ، وهذِهِ الفَصاحَةَ وما غادَرَتْ بينَ الجوانح،، وهذهِ البَلاغة وقد سالَتْ بِأَعْناقِ المَطِيّ بِها الأباطِحُ (١)، وهذهِ الصناعة وقد اسْتَعِينَ عليها من أَهْلِها بصالح، وهذهِ الصِّياغة وما تارِكٌ فَنَّ الجَوْهَرِ لَهَا إِلا رابح، وهذهِ الحِكَمَ البَوالِغ، وهذهِ النِّعَمَ السَّوابِغَ، وهَذِهِ الدِّيَمَ التي لا تَمْلَأَ حَوْضَها من إِناء فارغ،، وهذهِ الشَّيَمَ التي لو تَنَكَّرَتْ ثم مُزِجَتْ بِالفُراتِ لَمَا شُرِبَ لِسائِغ، التي تَرَقَّتْ بِوَجْهِها إِلى السَّمَاءِ، فَكَشَفَتْ غَيابَةَ عَارِضِها وكَفَّت غَوايَةَ البَرْقِ وَقَدْ وَلَعَ وَخْطُ مَشِيْبِهِ بِخَطّ عارِضِها، حتَّى جَلاها وَأَضْحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ (٢)، ونَفَخَ رَمادَ سَحابها المنجلي عن اللَّهَبِ، وصَفَّحَ جَوَّها الفِضْيَّ بِاللُّجَيْنِ وَسَمَّرَتْهُ الشَّمْسُ بِالذَّهَبِ، وجَلا صَدَأَ تِلكَ اللَّيْلَةِ عَنِ صَفيحَةِ ذلكَ اليَوْمِ المُشْمِسِ، وَبَدَّلَ بذلكَ الصَّحْوَ المُطْمِعَ من ذلك الغَيْمِ المُؤْيِسِ، ونَقَّى لا زَوَرْدَ السَّماءِ من تِلكَ الشَّوائِبِ، وَوَقَى عِرْضَ ذلك النَّهَارِ اليَقَقِ مِنْ المَعايبِ، وأَتْرَعَ غَدير ذلك الصَّباح خالِصًا من الرَّنَقِ، وَضَوَّعَ عَنْبَرَ ذلك الثرى خاليًا من اللَّثَةِ، وأَطْلَعَ شَمْسَ ذلكَ اليومَ تُوَشِّعُ جَانِبَ مَشْرِقِها، ويُوَشَّى بِذَوائِبِ الذَّهَبِ رِداءُ أُفْقِها؛ فَقُلْتُ (٣): [من السريع]

كأنما اليَوْمُ وَقَدْ مَوَّهَتْ … مَشْرِقَهُ الشَّمْسُ وَلا جَاحِدُ

ثَوْبٌ من الشَّرْبِ وَلَكِنَّهُ … طُرِّزَ مِنْهُ كُمُّهُ الواحد

أستغفر الله، بل بِشْرُ ذلكَ البِشْرِ، بل ذلكَ المَلَكُ الكَرِيمُ، وصَفيحَةُ وَجْهِهِ المُتَهَلِّل الوسيم، لا بل صَفيحَةُ عَمَلِهِ، وصَبيحَةُ أَمَلِهِ، وَأُنْمُوذَجُ إِبْثَارِهِ، وَضَوْءُ يَدِهِ البيضاء، وآثارِهِ، وشَبِيهُ ما يَفُضُهُ لُؤْلُؤُهُ من نِثارِهِ، وغيرُ هذا من أَيادِيهِ البِيْضِ على إِفْلالِ العَدِّلَهُ وإِكْثَارِهِ، فَللَّهِ تلكَ اليَدُ المُقَبَّلَةُ، وتلكَ اليَدُ المُؤَمَّلَةُ، واللهِ تِلكَ المَواهِبُ المُجْزَلَةُ، واللهِ تلكَ الرَّاحَةُ التي لا يُقاسُ بِها الثريا ولا تَجيءُ الجَوْزَاءُ أُنْمُلَهُ؛ واللَّهِ ذلك البيانُ السَّاحِرُ، وذلكَ البَنانُ السَّاخِرُ، وذلِكَ اللِّسانُ المُذَرَّبُ والبَحْرُ الزَّاخِرُ، وذلك


(١) من قول كثير عزة: [ديوانه ٥٢٥]
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطي الأباطح
(٢) سورة النازعات: الآية ٢٩.
(٣) البيتان في مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>