ألطاف الله المتتابعة: هذا الماء وسيتلوه المرعى، وكأن هواءه المعتدل على اعتلاله عدلًا، فحمل قلب كل غدير ما أطاق، ولم تبق عين بقعة كانت فارغة إلا وكلها عند نظرة الدمع مأق.
ومنه قوله:
وينهى أنه لو أمكن دفاع القضاء، أو قبل غريم الموت المتقاضي أخذ الفداء، لحمى هذا المحترم بأنصار الرجال، لا بجواري العيون المحزونة، ولصرفت عنه المهج يد المنون يبذل نفوسها المصونة، فقد كان والله شقيق الشمس رفعة وهدى، ومباري غرة البدر في الندي، ورسيل الغيث في الندى، وإن أمسى الزمان لتواري شخصه آية ليلٍ مُحِيَتْ، وظلة غيم رأيت عليها لمحة بارق لمعت ثم زويت، فلعهدي وهو بآية نهار حياته المبصرة أحسن (١) اجتلاء، وأبهى وأبهر بين المشاهد في المعنى والصورة روية ورواء. طوبى له، حلّ في أمنع جوار، وحصل على سعادة في دار القرار، يفرح بها من ارث شقوة الحزن في هذه الدار، والمملوك مذ سمع نعيه يحسد صم الرماح، ويتزود من سواد مقلته ودمعها في ظلمة باك من فقد نورها على الصباح، وما أدعو لمولانا وحده إلى سنة العزاء المشروط، ولا أقول له: مهلًا ليذهب بك فرط الجَزَع على أخيك مذهب القنوط، وإنما أشرك نفسي معه في التعزية والتسلية، وأتجلد وإن كان لا جَلَدَ على نفوذه هذه الرمية المضمية، فاتعلل وأتمثل بقول الأول:[من الطويل]
ولو لم أكن منكم يعذّبكمُ بكُمْ … ولكنَّ حظّي في المصاب جليل
إلا أن أخصه لاختصاص نسبه، وافرده بجامع ادبه، فلا أجمع لأقسام الكمال من أدبه، وأستشهد بأن أنشد:[من الطويل]
ومَنْ يَكُ ذَا نفس كنفسِكَ حَرَّةٍ … ففيه لها مُغْنٍ وفيها لَهُ مُسلِي
ومنه قوله (٢):
وينهى ورود المشرّف الكريم، ووقت الصوم قد حان، وهلاله في عنان السماء مرخى العنان، يُشار إليه بالبنان، كأنه الطليعة، وهي الراء من أول رمضان، أو الساقة وهي النون من آخر شعبان، أو الخائف اختفى عن العيان، وترامته الأبصار فاستعان، أو طالب حاجة مع الشمس أدركه الليل فوقف وقفة الحيران، أو كوة في غار فغار، أو رقيب وقد اختبا (٣) ليطلع على مغيبات الأسرار، أو الحاجب لا جرم أنه حجب عن
(١) كلمة (احسن) مكررة في الاصل. (٢) الوافي بالوفيات: ٢٢/ ٤٧٥. (٣) في الوافي: ولذا اختبى.