والذي أخبرنا به حسن الرومي التاجر قال: استقصرت ليل البلغار فسألت مسعودًا المؤقت بها عن مقدار الليل بها، فقال حرّزنا هذا بالآلات الرصدية فوجدناه أربع ساعات ونصفًا، وهو غاية نقصان الليل عندنا بالبلغار. وأما قصبة أفتكون، فحرزناها فوجدنا أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف ساعة تحريرًا، أقصر من ليلنا بالبلغار، وافتكون مسافة عشرين يومًا بالسير المعتاد.
وحدثني الفاضل شجاع الدين عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان لما سألته عن حدود مملكة أزبك فقال: ينتهي آخر ملكه في الشمال إلى السبر، وليس بعدها عمارة، وليليها أقصر شيء. قال: وجاء إلى جدي من أهلها فتوى يسألون أي وقت يصلي العشاء أهل بلد يطلع الصبح به قبل أن يغيب الشفق. وقد ذكر مثل هذا الشيخ شهاب الدين العراقي في كتاب «اليواقيت في المواقيت» قال: جاءت فتوى من بلاد البلغار إلى فقهاء بخارى بأن طول الليل عندهم ثلاث ساعات، وقالوا: إن اشتغلنا بالفطر، فاتنا وقت الصلاة، وإن اشتغلنا بالصلاة، طلع علينا الفجر، ويفوتنا الإفطار، فأي شيء نقدم، فافتناهم فقهاء بخارى بتقديم الإفطار، وتأخير الصلاة.
قال العراقي: وذلك صحيح من فتواهم طردًا لقاعدة المصلحة، ولعل هذا في شمالي البلغار؛ لأن حسن الرومي التاجر ثقة، وأخبرنا عن موقت البلغار ما ذكرناه. ومع هذا فقد ذكر أبو عبيد البكري ما لا يمكن سكنه بالجنوب والشمال، فقال: فأما الذي لا يعمر من الأرض ولا يكون فيه حيوان ولا نبات فهو ما كان في الجنوب عرضه على خط الاستواء تسع عشرة درجة؛ لأن الشمس إذا صارت في السنبلة في خمس درجات وثبت عليه فأحرقت كل شيء هناك، وما كان في الشمال بعده عن مدار السرطان تسعين جزءًا؛ لأن الشمس إذا صارت إلى البروج الجنوبية لا تطلع عليه ستة أشهر فتنعقد هذه البخارات هناك ولا ترتفع، فلا يكون هنالك حيوان ولا نبات، وهذا أبلغ من كل ما تقدم، ولا تنكره العلماء بالهيأة.
وقد ذكر البكري أيضًا المعمور وراء الإقليم السابع، فقال: وطول نهارهم زائد على ست عشرة ساعة ونصف ساعة إلى نحو سبع عشرة ساعة، ثم قال: وقيل: إن المعمور يبلغ إلى أطول ما يكون أطول النهار به ثمان عشرة ساعة، كما قيل: إن الإقليم الأول إلى خط الاستواء بلاد السودان الذين يأكلون الناس، انتهى كلام أبي عبيد البكري في ذلك.
فأما ما ذكره في الجنوب من أنه لا يعمر منه ما كان عرضه على خط الاستواء تسع عشرة درجة، فصحيح مُسَلَّم إليه فيه؛ لأننا وجدنا العمارة في لوح الرسم قد انتهى