قصائده الغر، وفرائده الدر، كامن بين البيتين من قديم سوالف الإحن، وعظيم خوارق المحن، إلا أنه ما استطاع مطار ذلك القشعم، ولا دخل مضيق ذلك الأرقم، ولا أتى بمثل تلك الأوابد التي سارت، واللوائد التي ثارت، ولا كان معه إلا كما يجيب القائل الصدى، ويجول المُقرف مع السابق في المدى. هذا مع كونه المعرق الجواد، والمغدق العهاد والمستشرق نورًا تجلى غيهبه، وكان به مثل فلق الصباح مغربه، والمطلق العنان في التشبيه والأوصاف، والمورق البيان في التسوية والإنصاف، وهو وإن لم يزاحم ابن المعتز، فإنه لا يقع دون مطاره، ولا يقصر ذهبه الموزون عن قنطاره، على أنهما سقيا من جرثومة، واستقيا من أرومة واشتقا طينة بالمسك مختومة.
ومن شعره قوله (١): [من الكامل]
ما بان عُذري فيه حتى عَذَّرا … ومشى الدُّجى في خده فتحيرا
همت بقبلتِهِ عقارب صُدْغِهِ … فاستل ناظره عليها خنجرا
والله لولا أَنْ يُقال: تغيَّر أوصَبًا … وإنْ كانَ التصابي أجدرا
لأَعْدْتُ تُفَاحَ الخُدُودِ بنَفْسَجًا … لثمًا وكافُورَ التَّرائِبِ عَنْبَرَا
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
أما والذي لا يملك الأَمْرَ غيرَهُ … ومَنْ هوَ بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائبِ مُؤلمًا … لأعدتُها عندي أشد وألم
وبي كُلُّ ما يُبكي العُيُونَ أَقله … وما زلتُ منه دائمًا أتبسم
هذا البيت حِرْتُ لمن أنسب أبوته، وإلى من بنوته، لقد كثر ما طن منه في مسمعي، وحلَّ ما مزَّق شلوه مُدَّعي، ولعله لواحد وقد ضمنه البقية، وضمه إليه متكلّم به في قضية، إذ كان كأنه ملهج كل نطق، ومنهج كل معلل بالأماني.
عدنا، ومنه قوله (٣): [من الطويل]
ما أمُّ خِشْفٍ ظَلَّ يومًا وليلَةٌ … ببلْقَعَةٍ بيداء ظمان صاديا
نتهيم فلا تدري إلى أين تنتهي … مُولَّهَةٌ حَيْرَى تجوزُ الفيافيا
أَضرَّ بها هَجْرُ الهِجِيرِ فلمْ تَجِدْ … لغلَّتِها من بارد الماء شافيا
فلما دنتْ مِنْ خِشْفِها انعطفتْ لهُ … فأَلفَتْهُ ملهوف الجوانح طاويا
(١) القطعة في ديوانه (الملحق) ٤٦٤ عن: نسمة السحر ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ويتيمة الدهر ١/ ٢٥٣ ط
الصاوي. ودمية القصر ١/ ٩٣.
(٢) من قطعة قوامها ٤ أبيات في ديوانه ٣٩٨.
(٣) القطعة في ديوانه ٤٦٢.