للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما القصيدة البائية المشهورة، وكان من خبرها ما حدثني به جماعة من أهل (١) الأدب، قالوا: كان ابن الخيمي قد قال هذه القصيدة وهي: [من البسيط]

وما طمحت لمرأى أو لمستمع … إلا لمعنى إلى علياك ينتسب

يا مطلبًا ليس لي في غيرِهِ أَرَبِّ … إليكَ آلَ التَّقَصِّي وانتهى الطَّلَبُ

وما أُرَانِيَ أَهلًا أَنْ تُواصِلَني … حسبي عُلُوًا بأَنِّي فيكَ مُكتئب

لكن ينازع شوقي تارةً أدبي … فاطلب الوَصْل لما يضعفُ الأَدَبُ

ولستُ أبرح في الحالين ذا قَلَقٍ … نام وشوقٍ لَهُ مِنْ أَضْلُعي لَهَبُ

وأدمع كُلّما كفكفتُ أدمُعَهُ … صَوْنًا لذكرك يعصيني وينسكب

ويدعي في الهوى دمعي مُقاسمتي … وجُدِي وحُزْنِي وَنَحْرِي وَهُوَ مُختضب

كالطَّرْفِ يزعم توحيد الحبيب ولا … يزال في ليله للنجم يرتقب

يا صاحبي قدْ عَدِمْتُ المُسْعِدِينَ فسا … عِدْني على وَصَبِي لَا مَسَّكَ الوَصَبُ

باللهِ إِنْ جُزْتَ كُنْبانًا بذي سلم … قف بني عليها وقل لي: هذه الكتب

ليقضي الخد أجراعِها وَطَرًا … مِنْ تُربها ويُؤَدِّي بعض ما يجب

ومل إلى البان [من] شرقي كاظمة … فلي إلى البانِ مِنْ شرقيها طَرَبُ

وخُذْ يمينًا لِمَغْنَى يَهْتَدِي بشَذَا … نسيمه الرطب إِنْ ضَلَّتْ بكَ النُّجُبُ

حيث الهضاب وبطحاها يُرَوِّضُها … دمعُ المُحبِّينَ لا الأنداد والسُّحُب

أكرم به منزلًا تحميه هيبته … عنى وأنواره لا السُّمْرُ والقُضُبُ

دعني أعلل نفسًا عزَّ مطلبها … فيه وقلبًا لعذر ليس ينقلب

ففيه عاهدت قدْمًا حُبَّ مَنْ حَسُنَتْ … به الملاحة واعتزت به الرتب

أحيا إذا من مِنْ شوقي لرؤيته … لأنني صحتي إنما سُقْمي هوَ العَجَبُ

والهف نفسي لو يُجْدِي تلهفُها … غَوْنًا وواحربي لو ينفع الحرب

يمضي الزمان وأشواقي مُضاعَفَةٌ … يا لَلْرِجَالِ وَلا وَصْلٌ وَلا سَبَبُ

يا بارقًا بأعالي الرقمتَينِ بَدَا … لَقَدْ حَكَيْتَ ولكن فاتكَ الشَّنَبُ

ويا نسيمًا سَرَى مِنْ جَوِّ كاظمة … باللهِ قُلْ لي: كيف البانُ والعَذَبُ

وكيف جِيْرَةُ ذاكَ الحَي هَلْ حَفِظُوا … عهدًا أراعيه إنْ شَطُوا وإن قربوا

أم ضيعوا ومرادي منك ذكرُهُمُ … هُمُ الأَحبَّةُ إِنْ أَعطوا وإن سَلَبُوا

فلما فرغ منها كتبها في ورقة، وأوما بيده ليضعها في جيبه، فسقطت فمر ابن إسرائيل على آثاره فرآها فأخذها وقرأها فرأى منها ربعه حذر وبحيه صد، وما شَذَتْ


(١) من قصيدة قوامها ٣٣ بيتًا في المنهل الصافي -١٠ ١٧٠ - ١٧١، والوافي بالوفيات ٤/ ٥١ - ٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>