ويح المُتَيَّم شامَ البرقَ مِنْ إِضَم … فَهزَّهُ كاهتزاز البارق الحرب
واسكن البرق من وجد ومِنْ قَلَقٌ … في قلبِهِ فَهوَ فِي أَحشائِهِ لَهَبُ
وكلّما لاح منه بارقٌ بَعَثَتْ … قِطَرَ المدامع مِنْ أجفانه سُحُبُ
وما أعادت نُسَيمات الغرير لهُ … أَخبار ذي الأَثَلِ إِلا هَزَّهُ الطَّرَبُ
واها له أعرض الأحباب عنه وما … أَجْدَتْ رسائلُهُ الحُسْنَى ولا القُرَبُ
ثم أنشده ابن إسرائيل (١): [من البسيط]
لم يقض في حقكم بعض الذي يَجِبُ … قلب متى ما جَرَى تَذكَارُكُمْ يَجِبُ
ولي وفي كرسم الدار بعدَكُمُ … دمع متى جادَ ضَنَّتْ بالحَيَا السُّحُبُ
أحبابنا والمنى تُدنِي زيارَتَكُمْ … وربَّما حالَ مِنْ دُونِ المُني الأَدَبُ
ما رابَكُمْ مِنْ حياتي بعدَ بُعْدِكُمُ … وليس لي في حياتي بَعْدَكُمْ أَرَبُ
قاطعتموني فأحزاني مواصلتي … وحلتمُ فَحَلا لي فيكمُ التَّعَبُ
رحتم بقلبي وما كادت لتسلبه … لولا خُطُوطُكُمُ الخَطَّيَّةُ السُّلُبُ
يا بارقًا ببُراقِ الحُزْنِ َلاحَ لنا … أَأَنْتَ أَمْ أَسْلَمَتْ أَقمارها النُّقُبُ
ويا نسيمًا سَرَى والعِطْرُ ُيصْحَبُهُ … أجرت حيثُ مَشَيْنَ الخُرَّدُ العُرُبُ
أقسمت بالمقسمات الزُّهْرِ يحجبها … زَهْرُ العَوالي والخطيةُ القُضُبُ
لَكِدتَ تُشْبِهُ بَرقًا مِنْ ثُغُورِهُمُ … يا دُرَّ دَمعي لولا الظَّلْمُ والشَّنَبُ (٢)
فنظر إلى ابن إسرائيل نظر الازدراء، وقد كاد يرمي قصديته بالعراء، وقال: لقد حكيت ولكن فاتك الشنب فقضى عليه وتركه نادمًا يعض يديه.
قلت: وقد كان ابن خلكان طلب من ابن الخيمي قصيدته هذه، وكان لا يرى البحر الزاخر إلا من رذاذه، ولا زبر السيوف القواطع إلا من فولاذه، فبعث بها إليه، وذيل عليها بمدح وهو (٣):
إنْ كانَ يُرضيهم إبعاد عبدِهم … فالعبد منهم بذاك المَدْحِ مُقترب
والهجر إن كانَ يُرضيهم بلا سبب … فإِنَّهُ مِنْ لذيذ الوَصْلِ يُحْتَسَبُ
وإن هم احتجبوا عَنِّي فإنَّ لهم … في القلبِ مشهودَ حُسْنٍ لَيْسَ يَنْحَجِبُ
(١) محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي بن الحسين: أبو المعالي، نجم الدين الشيباني الدمشقي، ولد بدمشق سنة ٦٠٣ هـ، وتوفي بها سنة ٦٧٧ هـ كان أديبًا فاضلًا شاعرًا مكثرًا.
ترجمته في: ذيل مرآة الزمان ٣/ ٤٠٥ - ٤٣٢، فوات الوفيات ٢/ ٢٦٩، الوافي الوفيات ٣/ ١٤٣ - ١٤٥.
(٢) القصيدة في المنهل الصافي ١٠/ ١٧٢ - ١٧٣، والوافي بالوفيات ٤/ ٥٣ - ٥٤.
(٣) الوافي بالوفيات ٤/ ٥٣.