وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب:«ياعم، إن الله سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع منها اسما لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان»، فقال: ربك أخبرك هذا؟ قال:«نعم». قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج فقال: يامعشر قريش، إن ابني أخبرني بكذا وكذا، فهلم إلى صحيفتكم، فإن كان كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وتولوا عما فيها، وإن كان كاذبا، دفعت إليكم ابن أخي. فقالوا: قد رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ، فزادهم ذلك شرًا.
ثم قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد بلاء أحسن من بلاء هشام بن عمرو، وكان لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، وكان يأتي بالبعير أوقره طعاما حتى إذا قارب الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به و (قد أوقره برًا) فيفعل به مثل ذلك.
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي (١)، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، قد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث [قد] علمت؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك ياهشام، فما أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا، قال: من هو؟ قال: انا، قال له زهير:[ابغنا رجلًا ثالثًا]. فذهبت إلى المطعم بن عدي (٢)، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان
(١) زهير بن أمية المخزومي انظر السيرة لابن هشام ١/ ٣٧٥. (٢) المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، من قريش: رئيس بني نوفل في الجاهلية، وقائدهم في حرب «الفجار» بكسر الفاء وتخفيف الجيم (سنة ٣٣ ق هـ، ٥٩١ م) وهو الذي أجار رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف وعاد متوجها إلى مكة، ونزل بقرب «حراء» فبعث إلى بعض حلفاء قريش ليجيروه في دخول مكة، فامتنعوا، فبعث إلى المطعم بن عدي بذلك، فتسلح المطعم وأهل بيته وخرج بهم حتى أتوا المسجد، فأرسل من يدعو النبي ﷺ للدخول؛ فدخل مكة وطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله آمنًا. وهو الذي أجار سعد بن عبادة، وقد دخل مكة معتمرًا، وتعلقت به قريش، فأجاره مطعم وأطلقه. وكان أحد الذين مزقوا الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم. وعمي في كبره ومات قبل وقعة بدر سنة ٢ هـ/ ٦٢٣ م، وله بضع وتسعون =