فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَهَادَى قِسِيُّ النَّبْعِ فِينَا وَفِيهِمْ … وَمَا هُوَ إِلاَّ الْيَثْرِبِيُّ الْمُقَطَّعُ

وَمِنْجُوفَةٍ حَرْمِيَّةٍ صَاعِدِيَّةٍ … يَذُرُّ عَلَيْهَا السَّمُّ سَاعَةَ تُصْنَعُ

فَلَمَّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرَّحَى … وَلَيْسَ لأَمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ مَدْفَعُ

ضَرَبْنَاهُمُ حَتَّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ … كَأَنَّهُمُ بِالْقَاعِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ

لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى اسْتَفَقْنَا عَشِيَّةً … كَأَنَّ ذُكَانَا حَرُّ نَارٍ تَلَفَّعُ

وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنَّهُمْ … جَهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرِّيحُ مُقْلِعُ

وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنَّنَا … أُسُودٌ عَلَى لَحْمِ بِبِيشَةَ ظُلْعُ

فَنِلْنَا وَنَالَ الْقَوْلُ مِنَّا وَرُبَّمَا … فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللَّهِ أَوْسَعُ

وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُ … وَقَدْ جَعَلُوا كُلَّ مِنَ الشَّرِّ يَشْبَعُ

وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً … عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْمِي الذِّمَارَ وَيَمْنَعُ

جِلَادٌ عَلَى رِيبِ الْحَوَادِثِ لَا تُرَى … عَلَى هَالِكِ عَيْنًا لَنَا الدَّهْرَ تَدْمَعُ

بَنُو الْحَرْبِ إِنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بُفُحَشِ … وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجَّعُ

فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَجَادَلُوا … أَبَى اللَّهُ إِلاَّ يُسْرَهُ وَهْوَ أَحْنَعُ

وقال عبد الله بن الزبعرى (١): [من الرمل]

يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ … إِنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ

إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدَى … وَكِلَا ذَاكَ وَجْهٌ وَقِبَلْ

وَالْعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ … وَسَوَاءٌ قَبْرُ مُثْرٍ وَمُقِلْ

كُلُّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ … وَبَنَاتُ الدَّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلّ

أَبْلِغَنَّ حَسَّانَ عَنِّي آيَةً … فَقَرِيضُ الشِّعْرِ يَشْفِي ذَا الْغُلَلْ

كَمْ تَرَى بِالْجُرِّ مِنْ جُمْجُمَةٍ … وَأَكُفْ قَدْ أُتِرَّتْ وَرِجْلِ

وَسَرَابِيلُ حَسَّانَ سُرِّيَتْ … عَنْ كُمَاةٍ أَهْلَكُوا فِي الْمُنْتَزَلِ

كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيِّدٍ … مَاجِدِ الْجَدَّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلِ

صَادِقِ النَّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ … غَيْرُ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الأَسَلِ

فَسَلِ الْمِهْرَاسَ مَا سَاكِنُهُ؟ … بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلِ


(١) عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد: شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، فقال فيه «حسان» أبياتا، فلما بلغته عاد إلى مكة، فأسلم واعتذر، ومدح النبي ﷺ فأمر له بحلة. توفي نحو سنة ١٥ هـ/ ٦٣٦ م.
ترجمته في: الأغاني جـ ١ و ٤ و ١٤ وسمط اللآلي ٣٨٧ و ٨٣٣ وامتاع الأسماع ١/ ٣٩١ والأمدي ١٣٢ وشرح الشواهد ١٨٧ و ابن سلام ٥٧ و ٥٨ والأعلام ٤/ ٨٧، معجم الشعراء للجبوري ٣/ ٢٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>