عناني ولم أشهد ببطحاء مكةٍ … رجال بني كعبٍ تُحزُّ رقابها
بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم … وقتلى كثير لم تجنَّ ثيابها
ثم استخلف على المدينة كلثوم بن حصين الغفاري (١)، وخرج لعشر مضين من رمضان فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بين عسفان وأمج (٢) أفطر.
ثم مضى في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش، وخرج تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب ببعض الطريق قد لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ راض عنه.
قال العباس: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بمر الظهران، قلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ فخرجت عليها حتى جئت الأراك (٣)، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قال: فوالله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: مارأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه
(١) كلثوم بن الحصين، أبو رُهم الغفاري، أسلم بعد قدوم الرسول ﷺ المدينة، وشهد معه أحدًا، وظل مع النبي ﷺ في المدينة يغزو معه إذا غزا. ترجمته في: الطبقات الكبرى ٤/ ٢٤٤، تاريخ خليفة بن خياط ص ٩٦، ٩٧، طبقات خليفة ص ٤٢، التاريخ الكبير ٧/ ٢٢٦ رقم ٩٧٥، المعرفة والتاريخ ٣/ ١٦٩ - ١٧٠، الجرح والتعديل ٧/ ١٦٣ رقم ٩٢١، الثقات لابن حبان ٣/ ٣٥٤، الاستيعاب ٣/ ١٣٢٧، ١٣٥٩، أسد الغابة ٤/ ٤٩٣ رقم ٤٤٨٥، ٦/ ١١٧ رقم ٢٨٣٢، تهذيب الكمال ٢٤، ٢٠٣، ٢٠، رقم ٤٩٨٧، تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٣٤ رقم ٣٦٤، ٢/ ١٦٦، ١٦٧ رقم ١٩٤٦، الإصابة ٥/ ٦١٧ رقم ٧٤٤٧، ٧/ ١٤١، ١٤٢ رقم ٩٩٠٠، تهذيب التهذيب ٨/ ٤٤٣ رقم ٨٠٢. (٢) أمجُ: بالجيم، وفتح أوله وثانيه، بلد من أعراض المدينة معجم البلدان ١/ ٢٤٩. (٣) الأراك: (أراك) بالفتح وآخره كاف، وهو وادي الأراك، قرب مكة يتصل بفيقة «معجم البلدان ١/ ١٣٥».