للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأقول: مزينة (١).

فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بها قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون الأولون، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله، يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذًا.

قال: قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحميت الدسم (٢) الأحمس (٣)، قبح من طليعة قوم. قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك [الله] وما أفيائها تغني دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

قلت: وفي الفتح وإسلام أبي سفيان قلت: [من الكامل]

قدام مكةَ في جنود لم تزل … ظُلَلُ الغمام عليهِ مِنْ أفيائها

عقدت على أجياد أجنادٍ بها … خيلًا مسومة تسوم غلائها

خيلًا كعقبان الطيور وإنما … قد سُميت بالخيل مِنْ خُيَلائها

حطت شعوب جنوده بشعابها … دهمت كتائبه على بطحائها

وأرى جحاجحة بها أبطاله … وأثابه فخرًا على اتيانها

ثم لما انتهى رسول الله إلى ذي طوى (٤)، وقف على راحلته معتجرًا (٥) بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله ليضع رأسه تواضعا الله حين رأى ما أكرمه الله به


(١) مزينة بطن من طابخة من العدنانية، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد بن طابخة «نهاية الأرب ص ٤٢٠».
(٢) الدَّسِمُ: (الدَّسَم) اللحم أو دُهْنُهُ، وهي تعني هنا اكتنازه لحمًا أو دهنًا.
(٣) الأحمسُ: الشجاع.
(٤) ذو طوى: موضع عند مكة قيل بالفتح، وقيل بالكسر، ومنهم من يضمها، والفتح أشهر «مراصد الاطلاع ٢/ ٨٩٤».
(٥) معتجرًا: الاعتجار لف العمامة على الرأس.

<<  <  ج: ص:  >  >>