وقال ابن إسحاق: إنه عند تراجع المسلمين حمل علي ﵇ على صاحب راية القوم وهو ذو الخمار، فضرب عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ووثب معه رجل أنصاري فضربه ضربة أَطَنَّ قدمه بنصف ساقه، فوقع عن رحله، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ.
والتفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر - يومئذ - معه، وهو آخذ بثفر بغلته، فقال: من هذا؟ قال: ابن أمك يا رسول الله.
والتفت فرأى أم سليم بنت ملحان (٢)، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد، وهي حامل، ومعها جمل أبي طلحة، قد خشيت أن يعرها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته (٣) مع الخطام، فقال رسول الله ﷺ:«أم سليم؟» قالت: نعم بأبي أنت وأمي يارسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ:«أو يكفي الله يا أم سليم».
قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر [الذي] معك يا أم سليم؟ قالت: أخذته، إذا دنا مني أحد من المشركين بعجته [به] قال أبو طلحة: ألا تسمع يارسول الله ماتقول أم سليم الرميصاء؟
وعن جبير بن مطعم (٤) قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود
(١) الكامل في التاريخ ٢/ ٢٦٤. (٢) أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وهي: الغميصاء، ويقال: الرميصاء، ويقال: اسمها سهلة، ويقال: رميلة، ويقال: بل اسمها أنيفة، ويقال رميته. أسلمت أم سليم، وبايعت رسول الله ﷺ وشهدت أحدًا وكانت تسقي العطش، وتداوي الجرحى، وشهدت يوم حنين. ترجمتها في: الطبقات الكبرى ٨/ ٤٢٤ - ٤٣٤، طبقات خليفة بن خياط ص ٣٣٩، المعارف ص ٢٧١، ٣٠٨، الجرح والتعديل ٩/ ٤٦٤ رقم ٢٣٧٦، الاستيعاب ٤/ ١٩٤٠ - ١٩٤١ رقم ٤١٦٣، أسد الغابة ٧/ ٣٤٥، تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٧١ - ٤٧٣ رقم ٢٩٥٤. (٣) خزامته: وهي حلقة من الشعر تجعل في أنف البعير مسهل السيطرة عليه. (٤) مرت ترجمته بهامش سابق.