غوايته، ولا يرتد عن طماح غايته، وعمر أيام الشبيبة بإلمام الحبيبة، وتيم قلبه بالنساء تتيم ذي الرمة بالخنساء (١)، وَوَجَدَ بكلّ غانيةٍ سمع بها وَجْدَ الفرزدق بنوّار، وعمرو بعرار، وكان من دمشق في عرائش الكروم، وعرائس الكروم، من جنى أعناب كأن عصارتها جنى عناب، فعكف عليها مثواه، وعطف إليها هواه، وثوى يهتصر قطوفها، ويَعْتَصِر صنوفها، وزفها أوقات أُنْسِهِ عروسًا، وحفّها حول مجلسه شموسًا، وأقام لا يُريم بين كاس وريم، لا يرى إلا بنانًا مخضوبًا بالعنم، أو بحمراء صافية كالعلم، ويُروى له شعر اكثره لا يصح له، بكبرِهِ من جهله، وكان أبوه يؤثره، ويعظم قليله ويكثره، ويتوسم مخايل نجابته، ويتنسم لدلايل اجابته، فمهّد له في تقدمه، ووطد له أكناف السرير لِقَدَمِهِ، ولما خاف أن لا يتم له ما أراد، ولا يلم فيه رأيه بالمراد، بَذَلَ له جهد سيفه ودرهمه، فكف جهل عذالِهِ ولوَّمِهِ، ولم يبق إلا ثلاثة قريش شرفًا وسؤددًا وسَلَفًا، يُخرس لددًا، الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، فجدَّ في مداراتهم فما قَدَر، وجَهَدَ على إرادتهم وما قَسَر، فَنَصَبَ مصايد حِيلِهِ، ومكائد طيله، وأمر بأن يجمع الناس بالمدينة، وفيهم أولئك الأماجد، وأوْقَفَ على رؤوسهم رجالًا بأيديهم السيوف جرائد، ثم أمر بأخذ البيعة ليزيد (٢) وأخذ من خالَفَ الأخذَ الشديد، وقال: مَنْ تكلَّم من هؤلاء وأشار الى الثلاثة فاضربوا عنقه، وأضرموا بجذوة السيف حَنَقَه، فلما اجتمع الناس، قام فيهم مروان وقال: أيها (الناس)(٣) إن هؤلاء رؤوسكم وسادتكم، وقد أعطوا البيعة، فقوموا فبايعوا، فما منهم إلا مَنْ بايع ومن تابع، إلا أولئك النفر، إلا أنهم ما استطاعوا أن يتكلموا، ولا استطالوا الى أكثر من أن يتألّموا، ثم كان من خروج الحسين وابن الزبير ما كان، هذا الى العراق وهذا الى مكة، وما فتئا فيما يزعزع ملكه، إلا أن الحمام عاجل سيد الشهداء الحسين، وأدلى له الحين، وفرغ ابن الزبير لمنابذته، وقَرَعَ ظُبّةَ الحرب لمؤاخذته، ثم لم يتمكن من قتاله، ولم يتبين له وجه احتياله، فأخرها الى أوانها، وادخرها الى إبانها، ثم وثَبَ لها وثوب الفهد، ودأب لها دؤب الفرس النهد، وأما ابن عمر، فدخل فيما أجمع الناس عليه، وبايع، وجمع أطراف قومه وما نازع، ثم كان من مصرع الحسين ما صَرَعَ الدموع، وصدع الضلوع، وكَسَرَ القلوب كسرًا لا يُجْبَر، وأمات للاسلام ميّتًا لا يُقبر، فاهًا لها رزيّة فتت العضد، وفلت السيف
(١) المعروف ان ذا الرمة تيم بمية وليس بالخنساء. (٢) انظر خبر بيعة يزيد في المدينة: تاريخ الطبري وكامل ابن الأثير احداث سنة ٥٦ هـ. (٣) زيادة يقتضيها السياق.