فؤاده، فكان لا ينقض إبرامه مريرته، ولا ينقل مرامه عن الحسنى سريرته، فكان يُعَدُّ من خير أملاكهم حظًا سعيدًا، ولفظًا سديدًا، تسع الدنيا همة العوال ويجمع النعماء بعض ما يهبه من النوال، وكان على هذا كله تقي الورع، نقي المجتمع، لا تحضر مجلسه الغيبة، ولا تحلّ ملبسة الريبة، مع رأي أسد من السهم نفاذًا، وأشدّ من الوهم بالضمير ملاذًا، وكان أبوه عبد الرحمن يحضره مشورته، وينظره من الرأي صورته، وربما تكلّم بين يدي أبيه فقال صوابا وقاس الأمور على أشباهها فبرع جوابا، ولهذا كان أبوه يقدّمه ويثقفه تثقيف السمهري ويقومه، ويؤاخذه في الأمور، وما يريد إلا أنه يبصره ويُفهمه.
حكى صاحب المقتبس ما مضمونه: إنه كان عند وفاة أبيه عبد الرحمن بمدينة ماردة (١)، وكان أخوه بمدينة طليطلة، وكان أخوهما عبد الله البلنسي حاضرًا بقرطبة، فشهد موت أبيه دونهما، وشدَّ الأمر بعده، وبادر بالكتابة لأخيه هشام يعلمه أن أباه مات وعهد إليه وحَثَّه على البدار نحوه، فخرج من فوره الى قرطبة، وتسلّم الملك، وبويع على الامارة، وكان أوّل مَنْ بايَعُهُ أخوه عبد الله على زغل نواه وغل بين جوانحه طواه.
وحكى محمد بن حفص: انه لما انكشف وجه هشام من غمة حروبه مع أخويه سليمان وعبد الله (٢) صَفَتْ له الأندلس جمعًا، واجتمع له طاعة أهلها طرًا، وكانت يومئذ أكثر ما كانت، فسما لجهاد عدوّهم سموًّا استفرغ فيه وسعَهُ، فأعطى فيهم نصرًا لا كفاء له، وافتتح مدينة أربونة (٣) وبَلَغَ من تحكمه فيهم ان اشترط على المعاهدين من أهل جليقية (٤) لما سألوه المسالمة نقل عددٍ من أحمال التراب من سور أريونة الى باب قرطبة، فلما أكمل نقل هذا التراب ابتنى منه مسجدًا قدام باب
(١) ماردة وفي الاصل باردة وهو تصحيف، تقع ماردة في غرب الاندلس عن بعد نحو مائتي كيلو متر الى شمال اشبيلية. انظر الروض المعطار ص ٣١٨ والمقتبس هامش رقم ١٩٢. (٢) خرج سليمان وعبد الله المعروف بالبلنسي على أخيهما هشام بطليطلة سنة ١٧٣ هـ، فحاصرها هشام، فاستسلم عبد الله، وهرب سليمان الى بلنسية، ثم اصطلحا على أن يخرج سليمان بأهله وبفارق الأندلس، انظر الكامل ٥/ ٨٦. (٣) أربونة: بلد في طرف الثغر من أرض الاندلس، انظر: ياقوت - أربونة والروض المعطاء ص ٢٤. (٤) جليقية: ناحية قرب ساحل البحر المحيط من ناحية شمالي الاندلس في أقصاه من جهة الغرب (ياقوت - جليقية) والروض المعطار ص ١٦٩.