والحكمة ثم حاولت أن تضم المملكة، فقال كبراؤهم: نحن كنا أهل البدء وفينا التناهي وإلينا الغاية. فأجمعت إليها ونصبت لها ملكًا وهو البرهمن الأكبر، والملك الأعظم وإليه تنسب طائفة البراهمة لا إلى إبراهيم الخليل ﷺ، وفي أيامه استخرج الحديد، وضُرب السلاح، ثم بنى الهياكل ورضعها بالجواهر. وصوّر فيها الأفلاك والبروج والكواكب، وأظهر الحكمة، وقدّم العلماء وصنفت له الكتب. ومنهم من قال: هو الأب الأول، وزعموا أنه آدم ﵇. ومنهم من يقول: بل هو رسول أُرسل إلى الهند. والأكثر على إنما كان ملكًا. فلما هلك جزعت عليه الهند شديدًا، ثم ملكت ولده الأكبر نُصب بن البرهم، وهو الباهبود (١)، فسار بسيرة أبيه، وزاد في بناء الهياكل وتقديم الحكماء، وفي أيامه عمل الفرس النرد ولعب به، وجعل مثلًا للمكاسب، وأنها لا تنال بالكسب والحيل، وإنما تنال بالمقادير.
ثم ملك بعده زامان (٢)، وله حروب مع ملوك فارس والصين. ثم ملك بعده قور (٣) وهو الذي قتله الاسكندر بن فيلبس اليوناني مبارزة. ثم ملك بعده سامر (٤)، وهو الذي صنّف له كتاب كليلة ودمنة، ثم ملك بعده بلهيت (٥)، وفي أيامه وضعت الشطرنج فقضى به على النرد وبين به الظفر الذي يناله الخازم (٦) والبكية التي تلحق الجاهل. ثم ملك بعده كورش (٧)، فأخذت الهند الديانات على حسب ما رأى من صلاح الوقت وما يحمله أهل العصر من التكلف، وصنف له الكتاب الأعظم في معرفة العلل والأدواء والعلاجات، وأشكال الحشائش وصفاتها. ولما هلك اختلفت آراء الهند، وأنفرد كل ملك بناحية فملك أرض السند ملك. وأرض القنوج (٨) ملك، وأرض قشمير ملك. وأرض المانكير ملك وهي الحوزة الكبرى، وكان اسمه البهلري، وكانت مدة اجتماع الهند لملك واحد نحوًا من ألف سنة وستًا وستين سنة، وقيل أكثر من هذا، وعدتهم سبعة ملوك.
(١) مروج الذهب ١/ ٥٩، ونهاية الأرب ٤/ ٣٢١. (٢) مروج الذهب ١/ ٦٠، وفي نهاية الأرب ٤/ ٣٢١: رأمان. (٣) مروج الذهب ١/ ٦٠ وانظر تاريخ اليعقوبي ١/ ٧٣. (٤) في مروج الذهب ١/ ٦٠ (ديشعيم)، وكذلك في تاريخ اليعقوبي ١/ ٧٤، وفي نهاية الأرب ٤/ ٣٢٢: لندام. (٥) مروج الذهب ١/ ٦٠، وتاريخ اليعقوبي ١/ ٧٦. (٦) الأصل: الخادم. (٧) في الأصل: كوش، والتصويب مروج الذهب ١/ ٦١. (٨) وردت في الأصل بغير نقط وضبطت هي وأسماء النواحي الأخرى عن مروج الذهب.