للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بَحَثْتَ عَنْهُ رَأَيْتَهُ صَائِمٌ نَهَارَهُ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ لَيْلِهِ فَقَائِمٌ أَسْحَارَهُ، وَإِنْ تَلَمَّحْتَهُ فَالزَّفِيرُ فِي إِصْعَادِهِ وَالدَّمْعُ فِي انْحِدَارِهِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا قَدْرَ اضْطِرَارِهِ، بَاعَهَا، فَاشْتَرَى بِهَا مَا يَبْقَى بِاخْتِيَارِهِ، هَلْ فِيكُمْ مُتَشَبِّهٌ بِهَذَا أَوْ عَلَى نِجَارِهِ؟

• يَا حُسْنَهُ وَمَصَابِيحُ النُّجُومِ تُزْهِرُ، وَالنَّاسُ قَدْ نَامُوا وَهُوَ فِي الْخَيْرِ يَسْهَرُ، غَسَلَ وَجْهَهُ مِنْ مَاءِ عَيْنِهِ وَعَيْنُ الْعَيْنِ أَطْهَرُ، فَلَمَّا قَضَى وِرْدَ الدُّجَى جَلَسَ يَتَفَكَّرُ، فَخَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ كَيْفَ يَمُوتُ وَكَيْفَ يُقْبَرُ، وَتَصَوَّرَ صَحَائِفَهُ كَيْفَ تُطْوَى وَكَيْفَ تُنشَرُ، فَهَامَ قَلْبُهُ فِي بَوَادِي الْقَلَقِ وَتَحَيَّرَ، فَطَلَّقَ الدُّنْيَا ثَلاثًا، وَهَلْ يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ؟!

• يَا مَنْ عُمْرُهُ قَدْ وَهَى فِي سِلْكِ الْهَوَى فَهُوَ مُتَهَافِتٌ، مَتَى تَسْتَدْرِكُ فِي هَذِهِ الْبَقِيَّةِ الْفَائِتَ؟! مَتَى يَذْهَبُ النَّوْمُ فَتَجْتَمِعُ الْهُمُومُ الشَّتَائِتُ؟! أَمَا رَأَيْتَ الْمَنَايَا تَحْصِدُ الْمُنَى فِي الْمَنَابِتِ؟! كَمْ مُقَهْقِهٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى حُزْنٍ بَاكِتٍ؟! كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ إِذْ ثَوَى قَدْ فَزَّعَ الثَّوَابِتَ، وَنَزَلَ بِكَ إِذْ نَزَلَ إِلَى حَيْرَةِ بَاهِتٍ، يَا جَاهِلًا قَدْ غُرَّ لَقَدْ سُرَّ بِفِعْلِكَ الشَّامِتُ:

كَأَنَّكَ بِالْمُضِيِّ إِلَى سَبِيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ الْمُجَهِّزُ فِي رَحِيلِكْ

وَجِيءَ بِغَاسِلٍ فَاسْتَعْجَلُوهُ … بِقَوْلِهِمُ لَهُ: افْرُغْ مِنْ غَسِيلِكْ

وَلَمْ تَحْمِلْ سِوَى خِرَقٍ وَقُطْنٍ … إِلَيْهِمْ مِنْ كَثِيرِكَ أَوْ قَلِيلِكْ

وَقَدْ مَدَّ الرِّجَالُ إِلَيْكَ نَعْشًا … فَأَنْتَ عَلَيْهِ مُمْتَدٌّ بِطُوْلِكْ

وَصَلَّوْا ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا … بِحَمْلِكَ فِي بُكُورِكَ أَوْ أَصِيلِكْ

فَلَمَّا أَسْلَكُوكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … وَمَنْ لَكَ بِالسَّلامَةِ فِي نُزُولِكْ

أَعَانَكَ يَوْمَ تَدْخُلُهُ رَحِيْمٌ … رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ عَلَى دُخُولِكْ

فَسَوْفَ تُجَاوِرُ الْمَوْتَى نَزيلًا … فَدَعْنِي مِنْ قَصِيرِكَ أَوْ طَوِيلِكْ

أَخِي إِنِّي نَصَحْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِي … وَبِاللَّهِ اسْتَعَنْتُ عَلَى قَبُولِكْ

أَلَسْتَ تَرَى الْمَنَايَا كُلَّ يَوْمٍ … تُصِيبُكَ فِي أَخِيكَ وَفِي خَلِيلِكْ] (١)


(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٨٨ - ٨٩).

<<  <   >  >>