تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ والنفقة خير من الفرقة {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: ١٢٨] يُرِيدُ شُحَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْآخَرِ، وَالشُّحُّ: أَقْبَحُ الْبُخْلِ، وَحَقِيقَتُهُ: الْحِرْصُ عَلَى منع الخير، {وَإِنْ تُحْسِنُوا} [النساء: ١٢٨] أي: تصلحوا {وَتَتَّقُوا} [النساء: ١٢٨] الْجَوْرَ، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الأزواج، أي: تُحْسِنُوا بِالْإِقَامَةِ مَعَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ وَتَتَّقُوا ظُلْمَهَا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: ١٢٨] فيجزيكم بأعمالكم.
[١٢٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: ١٢٩] أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تُسَوُّوا بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْحُبِّ وميل القلب، {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: ١٢٩] على العدل، {فَلَا تَمِيلُوا} [النساء: ١٢٩] أَيْ: إِلَى الَّتِي تُحِبُّونَهَا، {كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: ١٢٩] فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، أَيْ: لَا تُتبِعوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: ١٢٩] أي: فتدعوا الأخرى كالمعلقة لَا أيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْمَحْبُوسَةِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَأَنَّهَا مَسْجُونَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ولا أملك " (١) {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا} [النساء: ١٢٩] الْجَوْرَ، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ١٢٩]
[١٣٠] {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} [النساء: ١٣٠] يَعْنِي: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ، {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النِّسَاءِ: ١٣٠] مِنْ رِزْقِهِ، يَعْنِي: الْمَرْأَةَ بِزَوْجٍ آخَرَ وَالزَّوْجَ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: ١٣٠] وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ حَكِيمًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَجُمْلَةُ حُكم الْآيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي فِعْلِ الْقَسْمِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِلْمَظْلُومَةِ وَالتَّسْوِيَةُ شَرْطٌ فِي الْبَيْتُوتَةِ، أَمَّا فِي الْجِمَاعِ فَلَا، لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى النَّشَاطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
[١٣١] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: ١٣١] عَبِيدًا ومُلكا {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: ١٣١] يَعْنِي: أَهَّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كُتُبِهِمْ، {وَإِيَّاكُمْ} [النساء: ١٣١] يا أهل القرآن في القرآن، {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: ١٣١] أَيْ: وَحِّدُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، {وَإِنْ تَكْفُرُوا} [النساء: ١٣١] بِمَا أَوْصَاكُمُ اللَّهُ بِهِ {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: ١٣١] قِيلَ: فَإِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هِيَ أَطْوَعُ لَهُ منكم، {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} [النساء: ١٣١] عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلى طاعتهم، {حَمِيدًا} [النساء: ١٣١] مَحْمُودًا عَلَى نِعَمِهِ.
[١٣٢] {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: ١٣٢] قَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَهِيدًا أَنَّ فِيهَا عَبِيدًا، وقيل: دافعا ومُجيرا، فإن
(١) رواه أبو داود في كتاب النكاح / ٣٨، والنسائي في كتاب عشرة النساء / ٢، وابن ماجه في كتاب النكاح / ٤٧، والدارمي في كتاب النكاح / ٢٥، وهو معل.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.