ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي غَيْرَ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: إِلَّا كَذِبًا وَبَاطِلًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: إلا أماني: الأحاديث المفتعلة وَأَرَادَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أضافوها إلى الله مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ مِنَ التَّمَنِّي وَهِيَ أَمَانِيُّهِمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي يتمنونها عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَوْلِهِمْ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [الْبَقَرَةِ: ٨٠] وَقَوْلِهِمْ: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَعَلَى هَذَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) ، أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أَشْيَاءَ لَا تَحْصُلُ لهم، {وَإِنْ هُمْ} [البقرة: ٧٨] وما هم {إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: ٧٨] يعني: وما يظنون إلا ظَنًّا وَتَوَهُّمًا لَا يَقِينًا قَالَهُ قتادة والربيع، وقال مجاهد: يكذبون.
[٧٩] ، قوله عزّ وجلّ: {فَوَيْلٌ} [البقرة: ٧٩] قال الزجاج: ويل، كلمة تقولها العرب لكل وَاقِعٍ فِي هَلَكَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لانْمَاعتَ ولَذابتْ من شدة حرّها {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: ٧٩] وَذَلِكَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ خَافُوا ذهاب مآكلهم وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَاحْتَالُوا فِي تَعْوِيقِ الْيَهُودِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ فَعَمَدُوا إِلَى صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ صِفَتُهُ فِيهَا: حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشَّعْرِ أَكْحَلُ العينين ربعة القامة فَغَيَّرُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا: طِوَالٌ أَزْرَقُ سَبْطُ الشَّعْرِ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ سَفِلَتُهُمْ عن صفته قرؤوا ما كتبوه فيجدونه مخالفًا لصفته ويُكذّبونه، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: ٧٩] يعني: كتبوه بأنفسهم اختراعًا من تغيير نعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: ٧٩] من الْمَآكِلِ، وَيُقَالُ: مِنَ الْمَعَاصِي.
[٨٠] {وَقَالُوا} [البقرة: ٨٠] يَعْنِي الْيَهُودَ {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: ٨٠] لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ، {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: ٨٠] قَدْرًا مُقَدَّرًا ثُمَّ يَزُولُ عَنَّا العذاب، واختلفوا في هذه الأيام، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْيَهُودُ يقولون: مدة الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: يَعْنُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي عَبَدَ فِيهَا آبَاؤُهُمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنْ رَبَّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا فأقسم الله لَيُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقِسْمِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تكذيبًا لهم، {قُلْ} [البقرة: ٨٠] يَا مُحَمَّدُ {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: ٨٠] أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الوصل، {عَهْدًا} [البقرة: ٨٠] مُوَثَّقًا أَنْ لَا يُعَذِّبَكُمْ إِلَّا هَذِهِ الْمُدَّةَ {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} [البقرة: ٨٠]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.