وَمن ذَلِك: جمع الصَّحَابَة الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ كِتَابَة الْمَصَاحِف وَجمع النَّاس على مصحف وَاحِد، دفعا لمفسدة اخْتِلَاف النَّاس وتفرقهم وتنازعهم وَرُبمَا تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا الَّتِي هِيَ أعظم من مصلحَة التورع بإبقاء الْحَال فِي ذَلِك على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عَهده - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَمن ذَلِك - أَيْضا - اقْتِدَاء ابْن مَسْعُود برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تخول النَّاس بِالْمَوْعِظَةِ - كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أبي وَائِل - قَالَ: كَانَ عبد الله يذكر النَّاس فِي كل خَمِيس: فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن لَوَدِدْت أَنَّك ذكرتنا كل يَوْم قَالَ: أما إِنَّه يَمْنعنِي من ذَلِك أَنِّي أكره أَن أَملكُم، وَإِنِّي أتخولكم بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلنَا بهَا مَخَافَة السَّآمَة علينا١.
وَمن هَذَا الْبَاب - أَيْضا - مَا حُكيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز - رَحمَه الله - أَن ابْنه عبد الْملك قَالَ لَهُ: "مَالك لَا تنفذ الْأُمُور؟ فوَاللَّه مَا أُبَالِي لَو أَن الْقُدُور غلت بِي وَبِك فِي الْحق؟ " قَالَ: "لَا تعجل يَا بني، فَإِن الله ذمّ الْخمر فِي آيَتَيْنِ وحرمها فِي الثَّالِثَة، وَإِنِّي أَخَاف أَن أحمل الْحق على النَّاس جملَة فيدمغوه جملَة وَيكون منا ذَا فتْنَة"٢.
وَمن ذَلِك مَا قَرَّرَهُ الْعلمَاء فِي بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر من اعْتِبَار الْمصَالح والمفاسد فِي ذَلِك والحرص على تقديرها قبل الهجوم بِالْأَمر أَو الْإِنْكَار: قَالَ الإِمَام ابْن تَيْمِية - رَحمَه الله - فِي رِسَالَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر: "وَإِذا كَانَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر من أعظم الْوَاجِبَات والمستحبات، ولابد أَن الْمصلحَة فِيهَا راجحة على الْمفْسدَة إِذْ بِهَذَا بعثت الرُّسُل وَنزلت الْكتب وَالله لَا يحب الْفساد، بل كل مَا أَمر الله بِهِ هُوَ صَلَاح وَقد
١ - البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح ١ / ١٦٢، ١٦٣.٢ - الموافقات ٢ / ٩٣ - ٩٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.