وَعِنْدَهُ أَلْفُ رَجُلٍ يَخْدِمُونَهُ، وَثَلَاثُمِائَةٍ يَحْلِقُونَ حَجِيجِهِ، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ يُغَنُّونَ وَيَرْقُصُونَ عَلَى بَابِ الصَّنَمِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبْدُ - يَعْنِي الْمَلِكَ مَحْمُودَ بْنَ سُبُكْتِكِينَ - يَتَمَنَّى قَلْعَ هَذَا الصَّنَمِ، وَكَانَ يَعُوقُهُ عَنْهُ طُولُ الْمَفَاوِزِ وَكَثْرَةُ الْمَوَانِعِ، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَتَجَشَّمَ بِجَيْشِهِ تِلْكَ الْأَهْوَالَ إِلَيْهِ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِمَّنِ اخْتَارَهُمْ سِوَى الْمُطَّوِّعَةِ، فَسَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَلَدِ هَذَا الْوَثَنِ، فَمَلَكْنَاهُ وَقَتَلْنَا مِنْ أَهْلِهِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَلَعْنَا هَذَا الْوَثَنَ وَأَوْقَدْنَا تَحْتَهُ النَّارَ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْهُنُودَ بَذَلُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً لِلْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ لِيَتْرُكَ لَهُمْ هَذَا الصَّنَمَ الْأَعْظَمَ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِقَبُولِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَخِيرَ اللَّهَ تَعَالَى. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِي الْأَمْرِ فَرَأَيْتُ إِذَا نُودِيتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَيْنَ مَحْمُودٌ الَّذِي كَسَرَ الصَّنَمَ؟ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَيْنَ مَحْمُودٌ الَّذِي تَرَكَ الصَّنَمَ؟ ثُمَّ عَزَمَ فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مَا يُنَيِّفُ عَلَى مَا بَذَلُوهُ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ فِي الْأُولَى، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِ رَمَضَانَ دَخَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ فِي دِجْلَةَ فِي الطَّيَّارِ، وَمَعَهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَعْيَانُ، فَلَمَّا وَاجَهَ جَلَالَ الدَّوْلَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ دَفَعَاتٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ، وَعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى دَارِهِ، وَأَمَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثِ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي زَمَنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَصَمْصَامِهَا وَشَرَفِهَا وَبَهَائِهَا، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يُضْرَبُ لَهُ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَأَرَادَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَا يَحْسُنُ مُسَاوَاةُ الْخَلِيفَةِ. ثُمَّ صَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.