يردهَا الحجيج والعمار من كل جَانب فيحملون إِلَيْهَا الْبر وَالشعِير وَغير ذَلِك، وَهِي لَا تحرث وَلَا تزرع؛ لقَوْل إِبْرَاهِيم: " إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع ". إِلَى قَوْله: " وارزقهم من الثمرات ". وقرية النَّمْل كَذَلِك لِأَن النَّمْل لَا يحرث وَلَا يبذر وتجلب الْحُبُوب إِلَى قريتها من كل جَانب، وَفِي مَكَّة قَالَ تَعَالَى: " قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغداً من كل مَكَان ". مَعَ أَن لفظ قَرْيَة مَأْخُوذ من قَرَيْتُ المَاء فِي الْحَوْض إِذا جمعته. والرؤيا تعبر على اللَّفْظ تَارَة وعَلى الْمَعْنى أُخْرَى، فقد اجْتمع اللَّفْظ وَالْمعْنَى فِي هَذَا التَّأْوِيل، وَقيل: لعبد الْمطلب فِي صفة زَمْزَم: لَا تنزف أبدا وَلَا تذم. وَهَذَا برهَان عَظِيم لِأَنَّهَا لم تنزف من ذَلِك الْوَقْت إِلَى يَوْمنَا قطّ، وَقد وَقع فِيهَا حبشِي فَنُزِحَتْ من أَجله فوجدوا ماءها يثور من ثَلَاث أعين أقواها وأكثرها مَاء عين من نَاحيَة الْحجر الْأسود، روى هَذَا الحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَوله: وَلَا تذم أَي لَا تعاب وَلَا تلفى مذمومة من قَوْلك: أذممته إِذا وجدته مذموماً. وَقيل: لَا يُوجد مَاؤُهَا قَلِيلا من قَوْلهم: بِئْر ذمَّة إِذا كَانَت قَليلَة المَاء. وَمِنْه حَدِيث الْبَراء فأتينا على بِئْر ذمَّة فنزلنا فِيهَا أَي قَليلَة المَاء كَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير. وَضعف السُّهيْلي الْوَجْه الأول وَقَالَ: قَوْله: وَلَا تذم فِيهِ نظر وَلَيْسَ هُوَ على مَا يَبْدُو من ظَاهر اللَّفْظ من أَنَّهَا لَا يذمها أحد، فَلَو كَانَ من الذَّم لَكَانَ مَاؤُهَا أعذب الْمِيَاه ولتضلع مِنْهَا كل من يشربه، وَقد تقدم فِي الحَدِيث أَنه لَا يتضلع مِنْهَا الْمُنَافِق فماؤها إِذا مَذْمُوم عِنْدهم، وَقد كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق يذمها ويسميها أم جعلان، واحتفر بِئْرا خَارج مَكَّة باسم الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَجعل يفضلها على زَمْزَم وَيحمل النَّاس على التَّبَرُّك بهَا دون زَمْزَم، جَرَاءَة مِنْهُ على الله تَعَالَى وَقلة حَيَاء مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يفصح ويعلن بلعن عَليّ رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر. قَالَ السُّهيْلي: وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا ليعلم أَنَّهَا قد ذمت قَالَ: فَقَوله إِذا: لَا تذم من قَوْلهم بِئْر ذمَّة أَي قَليلَة المَاء، فَهُوَ من أذممت الْبِئْر إِذا وَجدتهَا ذمَّة كَقَوْلِك: أكذبت الرجل إِذا وجدته كَاذِبًا، قَالَ تَعَالَى:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.